مشهد تطبيع العلاقات الروسية - التركية يتصدّر الساحة الدولية منذ لقاء القمة بين اللاعبين الدوليين فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان. في خلفيات المصالحة خط أنابيب "السيل التركي" الذي سينقل 63 مليار متر مكعب من الغاز الروسي، 47 مليار متر مكعب إلى أوروبا سنويا عبر تركيا، و16 مليار متر مكعب للاستهلاك التركي، إضافة إلى مصالح اقتصادية وتجارية كبيرة تربط البلدين. فأي دور لعبه الغاز الروسي في جلوس الرجلين على مائدة المصالحة بعد أشهر من الحرب الكلامية بينهما، منذ إسقاط المقاتلات التركية لقاذفة السوخري 24؟
تستهلك تركيا 50 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، ومن المتوقع أن تزداد الكمية إلى 72 مليار بحلول العام 2030، وتستهلك 55 % من حاجتها من الغاز الروسي، انطلاقاً من هنا يشير الخبير النفطي المهندس ربيع ياغي في حديث لـ "لبنان 24" إلى النقطة الأهم "وهي أن تركيا من أكبر البلدان المستهلكة والمستوردة للغاز، ولا تملك أي مصادر محلية للطاقة، وتعتمد في إنتاج الطاقة على الغاز، من هذه الزاوية نرى أن تركيا تسعى جاهدة منذ سنوات لتكلل نفسها مركزاً عالمياً لتجارة الغاز، عبر تجميع الغاز الآتي من دول آسيا الوسطى ومن المنطقة العربية، من خلال خطوط الأنابيب أو عبر الصهاريج والقطارات، وتصديره إلى أوروبا. فهي اليوم بحكم موقعها الجغرافي نصفها في آسيا ونصفها في أوروبا، ولديها طموح قديم بأن تكون مركز تجميع وتسفير الغاز المنطلق باتجاه أوروبا، والقادم من دول الشرق الأوسط وروسيا و اذربيجان وتركمانستان وكافة دول آسيا الوسطى المنتجة للغاز والتي لا تملك اطلالة على المياه الدافئة".
ماذا عن روسيا ؟
قبل إسقاط تركيا للطائرة الحربية الروسية، كان البلدان يسيران في اتجاه شراكة استراتيجية في عالم الطاقة، وبنتيجة توتر العلاقات قلّصت تركيا مشاريع الطاقة مع روسيا، وعلّقت مشروع بناء محطة أكويو لتوليد الطاقة النووية بشكل شبه تامّ، كما جمّدت مشروع خطّ أنابيب الغاز "السيل التركي" الذي كان بغاية الأهمية بالنسبة لموسكو. وفي هذا الوقت واجهت روسيا ضغوطات لإيجاد بديل عن الخط التركي ولاسيما أنّ اتفاقها مع أوكرانيا ينتهي عام 2019، كما فشل المشروع البديل الذي كان ينبغي أن يمر تحت البحر الأسود وعبر بلغاريا لتوريد الغاز الروسي إلى جمهوريات البلقان والمجر والنمسا وإيطاليا بسبب رفض الإتحاد الأوروبي.
انطلاقاً من هنا يقول ياغي "بحكم المصالح المشتركة تجد روسيا أنّه لن يكون هناك مركز لاستلام غازها باتجاه اوروبا أفضل من تركيا، التي تأخذ أيضا حاجتها منه. في السياق نفسه يأتي الإتفاق التركي مع اسرائيل منذ أسابيع على رغم القطيعة التي دامت ستة أعوام بينهما على خلفية الهجوم الإسرائيلي على سفينة مرمرة التركية، وكون تركيا بوابة الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا، لعب الغاز دوراً أساسياً في إعادة تطبيع علاقاتهما، حيث تشكل تركيا أقرب نقطة لتنشىء اسرائيل خطاً يمتد من الحقول الإسرائيلية شمال فلسطين إلى مرفأ مرسين في تركيا( فقط 530 كلم متر) وهو الخط الأقصر والأوفر لها، وبالتالي من خلال إلتقاء المصالح حول الطاقة، انطلقت عملية وضع الخطط التنفيذية لخط الأنابيب الذي ينطلق من حقل لفيتان باسرائيل وصولا الى مرفأ مرسين بتركيا، تأخذ منه حاجتها المحلية ، وتصدر الباقي إلى اوروبا".
ياغي يلفت من خلال مقاربته إلى أنّ النفط والغاز يشكلان المحرك الأساسي للعلاقات الدولية، وتركيا خير مثال على ذلك، حيث تسعى دول متباعدة إلى تجاوز خلافاتها، انطلاقاً من المصالح المشتركة في عالم الغاز والنفط لما فيه مصالح شعوبها، فيما نحن كلبنانيين نجمّد امكانياتنا للإستفادة من الثروة النفطية بسبب خلافاتنا "اسرائيل سبقتنا بعشر سنوات أقله، وبدأت تبحث عن سبل لتصديرغازها، في وقت لم نبدأ بعد عملية الإستكشاف والتنقيب، فمن يسبق بالإنتاج يحجز موقعه في الأسواق بشروط أفضل، أمّا نحن فلا نملك ما يكفي من الوعي الطاقوي، حيث كان يجب ان نكون اليوم بوضع انتاجي للغاز، وليس بقانون ما زال حبراً على ورق ، فمصالح الشعوب أهم من المناكفات".
إذن إنها سياسة الأنابيب التي تطغى على ما عداها من اعتبارات، وتوجه مسار العلاقات الدولية، ولعلّ وجوهها الإيجابية تكمن في العمل على ترسيخ الإستقرار في المنطقة لحماية هذه المصالح، وعلى لبنان أن يستفيق ويسرع خطواته النفطية كي لا يفوته القطار.