"فيتو" حماية دولية غير منظور رافق العاصمة السورية "دمشق" طيلة سنوات الصراع الدائر في سورية. قد يخالف البعض هذا الرأي عبر ربط سقوطها بسقوط النظام السوري ورأسه "بشار الاسد"، الاّ ان التطورات الميدانية الحاصلة في الساحة السورية اليوم والتحركات والتصاريح والمواقف الصادرة من على أعلى المنابر الأممية والدولية، لاسيما الغربية منها، تؤكد ان العاصمة السورية وحتى بنظامها ورأسها ليست المعنية وحدها فقط في الصراع الدائر حاليا على أراضيها، وإنما هي جزء من معادلة "تَحَوُل خارطة الشرق الاوسط"، وقد رُسمت على مراحل متدرجة، من النقاط الأضعف في الوطن العربي الى النقاط الأقوى فيها، وربما المؤشر الأقوى على ذلك، الحيثية الاستراتيجية والسياسية الكبيرة التي تحتلها اليوم "مدينة حلب" وقدرتها الجغرافية والديمغرافية التي استدرجت ما استدرجت من قوى متناحرة دولية واقليمية، اختلطت فيها القوى النظامية بالقوى الغير النظامية وبمختلف الاسلحة، حتى اعتبرها البعض بانها معركة "حياة او موت"، فاذا بصمود العاصمة "دمشق" وخلاصها معلّق على قشة "حلب".
لكن أمام هذا الواقع تطرح علامات استفهام كبيرة حول مصير "قشة" حلب خاصة في ظل التطورات الأخيرة التي شهدها ميدانها مع تقدم مقاتلو المعارضة السورية المفاجىء، من غرب سوريا الى مجمع عسكري في جنوب غرب حلب فاتحاً ممراً الى المدينة كاسراً دفاعات الجيش السوري، وماهي الحقيقة التي يخفيها هذا التقدم، والى "مَن" ستؤول الكلمة في حلب في نهاية المطاف، وبيد من ستضع الاخيرة مفتاح "دمشق"؟!
هي تساؤلات ربما الاجابة عنها في الوقت الراهن بشكل دقيق ومؤكد قد يكون نوع من "الضرب في الرمل"، الا انه وفي قراءة بسيطة للتطورات التي شهدها مؤخرا ميدان "حلب" والمعطيات التي تزامنت معها على الساحة الدولية والاقليمية وما حملت من حراك كبير لتسريع عجلة حل الازمة السورية لاسيما على الخطوط التركية التي غصّت مؤخرا بالاغراءات الروسية والايرانية، يمكن استخلاص النقاط التالية:
- الاهمية الاستراتيجية لحلب على المستوى الاقتصادي والجغرافي حيث لا تبعد عن الحدود التركية سوى نحو 50 كيلومترا تقريبا،والتحول الكبير الذي سيعكسه مسار ميدانها على مستقبل سورية والمنطقة في حال اختل ميزان القوى المنخرطة والمتناحرة فيها او حقق فيها طرف انتصارا على آخر، وتجليات ذلك برزت في تصريحات ابرز هذه القوى، فالجنرال "قاسم سليماني" قائد القوات الايرانية السابق في سورية اعتبر في تصريح له ان معركة "حلب" هي "معركة ايران وليس النظام"، فيما اعتبر "حزب الله" ان صراعه فيها هو "صراع وجودي" اما روسيا ووفقا لتسريبات الوكالة الروسية فانها اعتبرت ان القرار في سورية "لايزال روسياً" وان الجيش الروسي لا يأبه بحماية "حلفاء حليفه" بل يقتصر دوره على حماية قرار وقف اطلاق النار والرد على الخروقات وضرب داعش وجبهة النصرة. أضف الى ذلك القلق التركي الذي اصبح مزدوجا بعد الانقلاب الفاشل الذي تعرضت له، والمسار الذي سيسلكه سلوكها السياسي على خط حلب نتيجة لذلك.
-تَلَمُس اللاعب الروسي للأهمية التي تستحوذها حلب بالنسبة للقوى المتناحرة فيها، دفع به لاستخدامها كـ"معادلة حسابية" يمكن من خلالها "تقريش" خارطة الحل التي رسمها بالتنسيق مع "واشنطن"، وبخاصة بعدما أبلغته طهران "رفضها القاطع المسبق لأي ستاتيكو يفضي الى فرض "خطوط تماس" وتثبيته في حلب على قاعدة " لا غالب ولا مغلوب" لصرفها على طاولة التسوية المقبلة"،وفق ما اورده المحلل في موقع صحيفة" ميديا بارت" الفرنسي" ايدوي بلينل". هذا عدا عن الاصرار الايراني على تغليب سلوك الحل العسكري على الحل السياسي في" حلب" ،عكسه تصريح منسق الجهود العسكرية في سورية الجديد الجنرال "علي رضائي" الذي جاء فيه: "لن نترك شهداءنا دون قصاص، وسوف نحرر حلب في القريب العاجل، وسوف نمحو التكفيريين والارهابيين".
-المعادلة الحسابية الروسية لـ"حلب" يمكن قراءتها من خلال مؤشرين، الاول: ميداني، تمثل باستدراج النظام السوري لمقاتلي المعارضة المسلحة الى الجنوب والجنوب الغربي لحلب بالتنسيق مع الدب الروسي، مع ورود معلومات صحفية سابقة تحدثت عن خلافات كانت قد حصلت بين جيش النظام السوري ومقاتلو حزب الله في حلب نتيجة اصدار النظام لقرار بسحب جيشه من المنطقة والذي كان سبق ان دربته القوات الايرانية وحزب الله في اطار حماية مناطق النفوذ الايراني. وبحسب مصدر مقرب من اللجنة الامنية المركزية في "حزب البعث" فان هذا الانسحاب تم بالتنسيق مع الحليف الروسي، مما يشير الى نوايا الدب الروسي المبيتة في حشر واغراق اللاعب الايراني وحليفه حزب الله في المواجهة مع قوات المعارضة السورية مجرّدا لهما من أية حماية جوية مما حدا بـ"حزب الله" ، وفق ما تناقلته بعض وسائل الاعلام الى الاستعاضة عن الخدمات الروسية باستخدام طائرة بدون طيار مستخدما القنابل العنقودية.
هذا فيما يتعلق بالمؤشر الاول، اما المؤشر الثاني فهو: دبلوماسي ،تجلى بسحب الدب الروسي تركيا من الارتماء كثيرا في الحضن الايراني مستغلا الهزة الداخلية التي تعرضت لها مؤخرا بفعل الانقلاب المدبر، مزايدا على اللاعب الايراني الذي اغرقها بوعود اقتصادية ورسائل تطمين حول اتفاق طهران مع انقرة على "ضرورة الحفاظ على وحدة أراضي سورية" غامزا في ذلك من قناة ضمان عدم قيام الوحدات الكردية السورية من التأسيس لكيان انفصالي، فكانت النتيجة لقاء جمع الرئيس التركي "رجب طيب اردوغان" بالرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" في سان بطرسبرغ الاسبوع الماضي تكلل بتشكيل آلية للتنسيق بين القوات المسلحة وجهازي المخابرات ووزارتي الخارجية بين البلدين فيما يتعلق بالازمة السورية،تبعه بدء انقرة "بالتفكير في امكانية مشاركة النظام السوري في مباحثات السلام"وفق ما صرح به سفير تركيا في موسكو "أومين ياردم" مؤخراُ، من ثم تأكيد تركي جاء في كلمة رئيس الوزراء التركي "بن علي يلدرم" امام اعضاء مجلس مصدري تركيا بانه "سنشهد تطورات جميلة في سورية ودول أخرى في المنطقة، وبدأت مرحلة ذلك، واتخذت خطواتها، وسنشاهد نتائجها"، مما استدعى قيام وزير الخارجية الايراني "محمد جواد ظريف" لزيارة انقرة نهار الجمعة الماضي في محاولة لشد ما أمكن من أواصر مصالح بلده مع تركيا.
أمام هذا المشهد يبدو ان اللاعب الروسي يسير بخطى ثابتة نحو ارساء الحل السياسي في سورية انطلاقا من حلب قاطعاً الطريق في وجه أية معادلة تحل محل صيغة "لاغالب ولا مغلوب"، حاشراً بذلك ايران وحزب الله امام تسوية لن تكون التنازلات فيها بسيطة وربما هذا ما عكسه خطاب الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله بالامس، بوصفه حزب الله بأنه "رأس الحربة في محور المقاومة وهذا ما يفسر محاربته عبر الادوات الارهابية".
ميرفت ملحم (محام بالاستئناف)