أيهما أكثر إلحاحاً في لبنان، انتخاب رئيس للجمهورية أم تشكيل مجلس للشيوخ؟ إعادة الانتظام للحياة الدستورية أم التمهيد لمؤتمر تأسيسي؟ انتاج قانون عصري وعادل للانتخابات أم تأبيد وجود الطبقة السياسية الحاكمة؟ كلّ ذلك، أم إيجاد حلول لأزمات الكهرباء والنفايات والتلوث وازدحام السير وانفلات الأمن وتعثر الاقتصاد وفيضان النازحين؟
هذا الأسئلة، وغيرها كثير، لها ما يبررها، خصوصاً وأن الطبقة السياسية من جوقة البررة الأنقياء، لا يفتؤون يحاضرون في العفة والمصلحة الوطنية وهم غارقون في صلب الفساد، صلب صرف النفوذ، صلب تسخير أجهزة الدولة والقضاء، وفي صلب تدمير الحياة الدستورية والمؤسساتية. هكذا تبدو الأمور في بلد بات بلداً للغرائب، حيث "الاستثناء" هو "القاعدة"، ومفاهيم الوطنية والمصلحة العليا وسيادة الدستور وحكم القانون مجرد وجهات نظر، تتعدد وتختلف فيها وحولها وبسببها الآراء والاتجاهات، وهي أمور لا تجد لها مثيلاً في دول العالم، حتى تلك التي تملك أنظمة هشّة أو أنها حديثة النشأة، وليس بلداً يتغنى صبح مساء بأنه من مؤسسي الأمم المتحدة ومن الموقعين على ميثاقها ومن واضعي شرعة حقوق الانسان، وأنه أخرج عظماء في كل الميادين والحقول والمعارف!
إنه زمن الرداءة، وفي هذا زمن تستبدل مفاهيم الالتزام الوطني بتصرفات شاذّة ونافرة ومستهجنة ومستغربة، تقع خارج إطار كل تقليد أو عرف دستوري أو أخلاقي أو إداري أو أصول العمل العام. في هذا الزمن، وبدل المسارعة إلى تصحيح الخلل القائم يكثر الحديث عن التسوية المنشودة. بنودها، شروطها، توقيتها، أشخاصها، أطرافها، رعاتها، ومع أو على حساب من ستكون، لكن، للمفارقة، قد تصل التسوية يوماً ما لكنها قد لا تجد بلداً بات يتآكله التعطيل وتتجاذبه الحسابات.
هنا، وبالرغم من ضخامة التحديات، يلجأ بعض الوسط السياسي إلى التعامل مع الأحداث بخفّة ما بعدها خفّة. يخلط الغث بالسمين، يسخّف القضايا الكبرى، ويضخّم القضايا الصغرى، فيصبح خبيراً في الأمن والاقتصاد والعلاقات الدولية... وفهيماً في شؤون الناس وآلامهم، في وقت لا تشي هذه المظاهر إلا بأن وراء الأكمة ما وراءها من أهداف سياسية أو مصالح فئوية أو مناورات للتمويه أو العرقلة على مسار هنا أو جهود هناك.
وتنطبق الخفة في التعامل على الكثير من العناوين، فتُنسبُ وقائع، وتوزع اتهامات، ويعلو الصراخ، وينزلق كبار القوم الى هلوسات صغارهم، ويملأ ضجيج المزايدات الأثير فيما البلد يصارع وسط لهيب يلف المنطقة بأكملها، ولا ينفع تكرار التذاكي بالقول إن الاستقرار "بالجملة" ممسوك !
في لقطة عبقرية من فيلم "طيور الظلام" (سيناريو وحيد حامد وإخراج شريف عرفة، 1995) يضع "فتحي" عادل إمام كتب الدستور والقانون في صندوق كتب عليه "قابل للكسر"، في إشارة بليغة عن حال العالم العربي وبُنية السلطة فيه. وفي لبنان، حيث الرئاسة معطلة منذ سنتين ونيف (وهي من بديهيات انتظام الحياة الدستورية)، ومؤسساته الدستورية معطلة، أو تُدار بحكم التمديد بدل الانتخاب، وإداراته مشلولة، واقتصاده منهك، وسياحته مجمدة، ونفاياته فائضة.. هو بلد كل شيء فيه "قابل للكسر" وفيه الكثير الكثير من "طيور الظلام".