في زمن أصبحت الخطابات المحقونة كرهاً وغضباً تتغلغل وترسخ في عقل كل واحد منا، تفاقمت أزمة العنصرية "تهمة العصر" لأسباب سياسية وطائفية وتعصبية بحتة، الكل يمسك بطرف المشكلة غير آبه بالمصائب الكبرى ومصدرها. حالياً، تنتشر هذه التهمة مع كل قرار "متطرف" من قبل المعنيين في لبنان أو حادثة أليمة يتبين أن مرتكبيها من النازحين السوريين، أو نقاش حاد على أحقية العمل والسكن والخدمة العامة، أو موقف محرج خلال جلسة مع الأصحاب، لكن من الضحية؟
"وسط تصاعد الخطاب العنصري تجاه اللاجئين السوريين في لبنان، ما ينبىء بتحوله إلى خطاب عادي ومقبول، نريد لهذا المرصد أن يشكل مركزاً لتوثيق هذه الانتهاكات العنصرية ومنبراً لرفضها"، بهذه الجملة بدأت مسيرة صفحة "مرصد العنصرية" على "فيسبوك"، تحديداً بعد التفجيرات الـ8 في بلدة القاع وقرارات التي اتخت بعدها بمنع التجول لـ"الأخوة" السوريون، كردة فعل على إقدام إنتحاريين سوريين بتفجير أنفسهم. الهدف من القرار حماية الأهالي في المدينة من الإرهابيين الذين يتمركزون بأغلبهم في المخيمات السورية، بحسب ما ذكر وقتها رؤساء البلديات، ليس هذا فقط، بل اتى تصريح وزير الخارجية جبران باسيل ليزيد الطين بلة، مطالباً بـ"زيادة التفتيش والتشديد على النازحين.
أصحاب الصفحة اعتبروا أن هذا القرار هو استهداف شخصي للسوريين، فمن بشامون وصليما والعبادية والقرية وحمانا وعمشيت والمية ومية وعرسال وغيرها من القرى والمدن، ضحايا كثر يواجهون يومياً عقوبة لا دخل لهم بها وهي "عدم التجول بعد الثامنة ليلاً حتى السادسة مساءا"، هذا عدا عن معاناة الهجرة من البلد.
وفي مقاربة للموضوع بحكمة، سؤال يطرح نفسه: ألا يمكن لسوري "داعشي" أن يفجر نفسه في السادسة والنصف مساءً مثلاً؟ ألم يكن انتظام تواجدهم وتوزعهم ليقي الجميع من هذا الإندماج السام؟
#نعم_لطرد_السوريين
من ناحية أخرى، وبعد جريمة اغتصاب شخصين سوريين لطفل في قرية مجدليا لمدة اسبوع، انتشر هاشتاغ "#نعم_لطرد_السوريين". هاشتاغ أساء للسوريين من جهة، وكشف عن واقع ومعاناة معيشية يواجهها اللبناني من جهة أخرى، إذ قال أحدهم: عنصرية نعم والف نعم لوطني بدي عيش بامان ..بلا اغتصاب وسرقة وتفجير ووسخ"، في حين قال آخر: "ما عم نقدر نشتغل قاعدين بالبيت كرمال السوري عم يتوظف محلنا وبياخذ معاش أقل من دون ضمان كمان"، فما كان من الجانب الآخر إلا أن تصدى للهاشتاغ بكم هائل من الشتائم، ليعاونه على هذا عدد من اللبنانيين فكتبوا: "اللي عمل هل الهاشتاغ ما زبطت معن.. سوريا ولبنان بلد واحد"، ليعتذر أحدهم "ايها الشعب السوري الشريف، لا تحاسبنا على ما فعله السفهاء منا".
كي لا نختبئ وراء إصبعنا، الجميع يدرك أن لتواجد السوريين بهذا العدد الكبير في لبنان، الذي يعاني أصلاً من مشاكل على كل الأصعدة، زاد من حدة الصعاب التي تواجه اللبناني، والسبب يعود نقلاً عن باسيل "في ظل عجز الدولة والحكومة عن المعالجة"، والكل مدرك لحجم الكارثة التي حلّت على رؤوس الشعب السوري الشقيق وتداعيات الحرب عليهم، ما استدعى نزوحهم إلى بلد الجار، لكن أحياناً المبالغة والتضخيم يكونان صورة خاطئة عن مجتمع بأكمله، والتعتيم على الجانب الإيجابي يكون اخطر، ففي جولة في بيروت مثلاً وتحديداً الحمراء وفردان، السوري ليس فقط عاملاً، بل صاحب متجر ومطعم ومقهى وسائق تاكسي وموظف في اهم الشركات في لبنان، أما في المقاهي فتجد الإندماج الإيجابي حيث الاصحاب من الجنسيتين يضحكون على نكات تخص اللبناني والسوري معاً.
السويديون.. ضجة إعلامية فقط!
قيل أيضاً إن السويديين في لبنان بخطر الترحيل، رداً على قرار ترحيل اللبنانيين في السويد لتمركزهم غير القانوني، فأحدث الامر ضجة على موقف وزير العمل سجعان قزي "الرد بالمثل" وليس على موقف السويد. عموماً، وفي إتصال مع القنصلية السويدية الفخرية، أكدت لـ"لبنان 24" "أن لا معلومات لديها بخصوص خطر ترحيل ولم تتبلغ بالقرار رسمياً" ما يجعل هذا التصريح في نطاق الزوبعة الإعلامية لإخماد غضب الجالية اللبنانية في السويد" ليس أكثر.. فعذراً الـ110 سويدي.
الأخطر من كل ما سبق وقيل أن نشر الخطاب العنصري بشكل مضخم أحيانا لأهداف خاصة، قد لا يترك اثراً مباشراً على كل فرد، لكنه قد يحقن بلداً! وصل عدد متابعي الصفحة "مرصد العنصرية" إلى 5 آلاف متابع حتى الساعة، في حين تنتشر بعد كل جريمة هاشتاغ عنصري، والآتي أعظم.
ختاماً، ورداً على سؤال المقدمة، فجميع أطراف الازمة ضحية، والمؤسف أن التعتيم يشمل المسؤولين الحقيقين وهم المستفيدون من هذا الوضع المأساوي، وتبقى بقعة ضوء معلنة لتكشف غالباً صورة متطرفة ومغبشة للواقع الداخلي.