ما لم يقله الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله عن الرئيس سعد الحريري قاله في اليوم التالي الرئيس نبيه بري.
وفي الموقفين تكامل في النظرة، وإن ذهب الرئيس بري إلى ما أبعد مما يستطيعه السيد في كلام جماهيري وفي مناسبة لا تسمح ظروفها بالذهاب بعيداً في مغازلة من يُعتبر خصماً سياسياً، أقّله في نظر جمهور الحزب، على رغم المحاولات الحثيثة من قبل الطرفين، وعبر حوارهما الذي لم ينقطع حتى في عزّ الحملة ضد سياسة المملكة العربية السعودية، إقليمياً ولبنانياً، لتهدئة الخواطر والحؤول دون تفاقم الأمور إلى ما لا تحمد عقباها، وإلى سحب فتيل إمكانية لتفجير محتمل على الساحة اللبنانية، قد تتخذ من الفتنة المذهبية ستاراً لها.
ويبدو إستشعاراً وليس استناداً إلى معلومات أن موقفقي كل من "حزب الله" والرئيس بري من "تطرية" الجو مع الحريري منسّق سلفاً، وذلك استعداداً لتهيئة الأرضية الملائمة لأي حلّ لمسلسل الأزمات المترابطة، والتي تبدو فيها الأزمة الرئاسية عقدة الوصل بينها، من خلال ما بات يعرف بالسّلة الشاملة الموصولة خيوطها والمحبوكة قطبها، المخفي منها والظاهر.
وما لم يقله نصرالله وبري قاله النائب محمد رعد بالأمس، وقد تحدّث عن نضوج طريق الحل، وهو كلام جديد يظهر في افق مواقف "حزب الله"، مما يؤشّر إلى حلحلة في مكان ما، وإن لم تتضح بعد طبيعة هذه الحلحلة، وما إذا كان لها إمتدادات إقليمية.
وفي اختصار المواقف الجديدة لـ"حزب الله" والرئيس بري، وإن لم يأت ردّ أيجابي من قبل تيار "المستقبل"، أن أي بديل من الرئيس الحريري كلاعب سنّي معتدل على الساحة السياسية المحلية، وما لها من ارتباط مع أزمات المنطقة، يعني التسليم ضمناً بترك هذه الساحة للتطرف المتمثل بـ"داعش" وتفرعاتها، مع ما يعتيه ذلك من تغيير جذري في الصيغة القائم عليها الكيان اللبناني، بتعدّد طوائفه وأحزابه وتياراته. وقد يكون التطرف مع ما يعنيه من إلغاء للآخر البديل من الإعتدال والوسطية، مع تماهي هذه الحال مع مشهدية ما يجري في سوريا راهناً.
المهم في كل ما ورد أن الحزب والرئيس بري قاما بالخطوة الأولى، ويبقى استكمال الخطوات الآيلة إلى التلاقي في منتصف الطريق، وهذا ما يُسمى باللغة السياسية تسوية، والتي لا يمكن أن تتمّ إلاَ أذا قدّم كل طرف من الأطراف السياسية تنازلاً من هنا وآخر من هناك، وإلاَ فستبقى المراوحة سيدة المواقف، وسيبقى لبنان معلقاً حتى إشعار آخر على صليب الأزمة الإقليمية.