بعيداً عن مزايدات فريق سعد الحريري السياسي والنيابي من على المنابر الصاخبة، تجاه مبادرة "حسن النية" التي أطلقها الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله، واصرار المستقبليين على التعامل مع ما قاله على أنه "تحصيل حاصل"، بمعنى أنّ تسمية رئيس الحكومة يفترض أن تعكس التوازن النيابي وتحمل صاحب الحيثية السنية الى رأس الهرم التنفيذي، من دون منّة أحد... بعيداً عن تلك المبارزات والتشاطر على الكلام، ثمة أسئلة جدية بين أروقة هذا الفريق حول خلفيات هذه المبادرة.
لا يهم كيف يرد الحريريون على خطاب السيد، لأنّ الأهم هو كيفية تعاملهم مع هذه "الانعطافة" كما يراها البعض في موقف "حزب الله" الذي قال يوماً إنّ عودة سعد الحريري الى الحكومة باتت من المحرمات، وها هو اليوم يفتح نافذة أمام سيناريو العودة المنتظرة منذ أشهر.
وفق المعلومات، فإنّ المستقبليين يتساءلون فيما بينهم حول خلفيات هذا الموقف، وما اذا كانت مبادرة جدية يقصد منها تحضير الأجواء لتسوية ثنائية الأضلع تأتي بسيد للقصر الرئاسي وبآخر للسرايا الحكومية، بمعزل عن بقية البنود العالقة في النزاع السياسي بين فريقيّ 8 و14 آذار.. أو هي مناورة أخرى يقصد منها اللعب في الوقت الضائع من خلال رمي كرة الاتهام بتعطيل الاستحقاق الرئاسي في الملعب الأزرق.
تتساوى الفرضيتان بالنسبة للمستقبليين، لأنّ لا مؤشرات جدية حتى الآن من شأنها أن تغلب سيناريو على آخر. بمعنى أنّ طاولة الحوار الثنائية التي تجمع "حزب الله" بـ "تيار المستقبل" تمنح الفريق الأخير بارقة أمل قد تحوّل المبادرة الى مشروع اتفاق جدي خصوصاً وأنّ القناعة راسخة بأن الجميع مأزوم والحاجة الى تسوية ولو بحدها الأدنى، صارت مطلباً معمماً على كل القوى.
على هذه الطاولة بالذات سمع المستقبليون ما يزيد من تفاؤلهم بأنّ الاتفاق ممكن خصوصاً وأنّ "حزب الله" حصر كل دفتر شروطه ببند وحيد هو انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية. أهملت الضاحية الجنوبية بقية البنود التفجيرية للاتفاق المنتظر أي قانون الانتخابات والبيان الوزاري وما الى ذلك من تفاصيل شيطانية من شأنها أن تنسف المحاولة الخجولة.
زادت القناعة لدى الفريق الأزرق أن الخرق صار محتملاً. ولكن في الوقت ذاته لا تزال الشكوك قائمة. لا بل أكثر من ذلك، قيود التشاؤم تمنع هذا الفريق من القيام بأي حراك جديد طالما أنّ الضمانات غير موجودة وغير متاحة. فالخشية من خطوة ناقصة قد تودي بآخر أرصدة سعد الحريري الشعبية، تدفع به الى الاحتماء باستراتيجية "مكانك قف".
أن يقدم السيد نصر الله على هذه الخطوة الايجابية، فتلك بادرة جيدة، لكنها لا تكفي بنظر المستقبليين لأخذ مفرداتها بالأحضان. الإشارات الإقليمية لا تزال بنظرهم غير مشجعة ولا توحي بأنّ ترجمتها اللبنانية صارت قريبة، ما يعني أنّ كفة التردد هي الغالبة، وما على الجميع الا الانتظار.