أمام وجه "عمران" البريء، كلّ الكلمات تموت. وحدها الصورة، الصورة فقط، تختصر كلّ المشهد. أما عبارة "التي هزت ضمير العالم" فكذبة ممجوجة لا تليق ولا تضاهي هولَ المأساة وتراجيديةَ المقام. بعد ذلك يمكن لبان كي مون أن يعرب عن قلقه كما يشاء ولمنظمات حقوق الانسان أن تكتب التقارير التي تريد.
"عمران"، ليس تكراراً وإنما إمعاناً في تأمل المشهد الذي سيبقى طرياً رغم توالي مشاهداته، جلس وهو الخارج من تحت الركام ومن بين أنياب الموت، مذهولاً مصدوماً صامتاً، يحدق في اللاشيء. ذلك الوجهُ المتعبُ البريءُ الملطخ بالدم والتراب، وتلك اليد الصغيرة الهادئة التي كفكفت الدم وعاينته من دون أي ردة فعل، هو وجه يعكس وجع سوريا وأهلها وأطفالها، وهو يعكس حقيقة الجرائم المفزعة المستمرة ضدّ المدنيين السوريين منذ خمس سنوات.
كيف يمكن لعاقل، إنسان، آدميّ أن يتخيل ما تسببه كمية الجروح المتراكمة في جسد عمران الطري من آلام؟ أغلب الظن أن كثيرين، كثيرين جداً، أميركيين وروساً وايرانيين وأتراكاً وعراقيين ولبنانيين وأفغاناً، وطائفيين ولادينيين ومتعصبين وإرهابيين، وأنصاراً للنظام ومعارضين له، لن يدركوا ذلك لأسباب كثيرة.. كثيرة جداً.
مع طفل حلب الأيقونة، وبسببه ولأجله، نحتاج "قراءة ثانية في مقدمة ابن خلدون" سبقنا إليها قبل سنين نزار قباني يوم قال، وكأنه يخاطب عمران وإيلان وغيرهم في حلب والحسكة ودير الزور وحمص والرقة، وفي مضايا والزبداني والغوطة والقصير، ممن غيّب الحقد والإجرام أسماءهم، ولم توثق عدسة الكاميرا مآسيهم فضاعوا تحت الركام:
هذا هو التاريخ، يا صديقتي،
من غير ما تعليق.
وكل ما قرأت عن سيرتنا المعطرة،
من كرمٍ..
ونجدةٍ..
ونخوةٍ..
ليس سوى تلفيق..
***
وكل ما سمعت عن حروبنا المظفرة
وكرّنا..
وفرّنا..
وأرضنا المحررة..
ليس سوى تلفيق..
***
هذا هو التاريخ، يا صديقتي،
فنحن منذ أن توفي الرسول
سائرون في جنازة..
***
ونحن، من يوم تخاصمنا
على البلدان..
والنسوان..
في غرناطة
موتى، ولكن ما لهم جنازة !!
***
لا تثقي بما روى التاريخ يا صديقتي،
فنصفه هلوسة،
ونصفه خطابة..
أطفالُنا ليسَ لهمْ طفولةٌ،
سماؤنا ليسَ بها سَحَابَهْ.