حدثان بارزان تصدّرا واجهة المشهد اليمنيّ نهار أوّل من أمس السبت، وخلّفا وراءهما ما يكفي من المؤشّرات للتأكيد على أنّ ثمّة تغييراتٍ جوهريّةً لا بدّ وأن تطرأ خلال الأيّام المقبلة على مسارات سياسة "كسر العظم" التي دأب "التحالف العربيّ" بقيادة المملكة العربيّة السعوديّة على انتهاجها في عمليّاته العسكريّة الأخيرة ضدّ مواقع الحوثيّين، ولا سيّما أنّ توقيت الإعلان عن قيام الولايات المتّحدة الأميركيّة بسحب عددٍ كبيرٍ من عناصر قوّاتها وخبرائها العسكريّين المشاركين في عمليّة "عاصفة الحزم" من مراكز عملهم في الرياض من جهة، وتزامنه مع خروج حشودٍ شعبيّةٍ قُدِّر عددها بمئاتِ الآلافِ إلى ساحات العاصمة صنعاء للتعبير عن دعمها لإنشاء المجلس الرئاسيّ الجديد بقيادة عبد الملك الحوثي من جهة أخرى، أظهر بما لا يترك أيّ مجالٍ للشكّ أنّ الآفاق الاستراتيجيّة التي رسمتها القيادة السعوديّة لسياساتها الخارجيّة في أكثر من دولةٍ عربيّةٍ في المنطقة، وبالأخصّ في سوريا واليمن، راحت تضيق في الآونة الأخيرة شيئًا فشيئًا أمام اتّساع فضاءات المحاور الإقليميّة الجديدة التي تشكّلت لتوّها على خطّ موسكو – طهران – أنقرة – دمشق، الأمر الذي يعني في المحصّلة النهائيّة أنّ الرياض تواجه في الوقت الراهن خياراتٍ وتحدّياتٍ صعبةً لا تُحسد عليها بأيّ شكلٍ من الأشكال.
لا شكّ في أنّ القرار الذي اتّخذته واشنطن بشأن الإبقاء على أقلّ من خمسةِ خبراءَ عسكريّين أميركيّين من أصلِ خمسةٍ وأربعين خبيرًا ضمن "غرفة العمليّات المشتركة" التي تمّ إنشاؤها منذ بدء الحملة العسكريّة على اليمن قبل ستّة عشر شهرًا، يأتي للحدّ من تورّط الولايات المتّحدة المضطرد في تلك الحملة، وخصوصًا في أعقاب سقوط عددٍ كبيرٍ من المدنيّين اليمنيّين خلال الأيّام القليلة الماضيّة جرّاء الغارات الجوّيّة الأخيرة، وما نجم عن ذلك من تصاعدٍ ملحوظٍ في وتيرة الانتقادات الموجَّهة للسعوديّة بشأن انتهاكات قوانين الحرب التي سجّلتها منظّمة "هيومان رايتس ووتش"، علمًا أنّ المتحدّث باسم البنتاغون كريس شيروود، سارع إلى التأكيد على أنّ الناقلات الأميركيّة ما زالت تعمل على تنفيذ التزاماتها كاملةً في مجال تزويد مقاتلات "التحالف العربيّ" بالوقود في الجوّ أثناء قيامها بشنّ غاراتها.
وإذا كان هذا الموقف بحدّ ذاته كافيًا لكي يعكس مدى الارتباك الذي تشعر به الولايات المتّحدة في الوقت الحاليّ، إثر تراجع دورها الرياديّ في أماكنَ مختلفةٍ من العالم أمام ازدياد فاعليّة الدور الروسيّ، فإنّ مصدرًا ديبلوماسيًّا في موسكو، ذهب إلى استخدام ما هو أدقّ بكثيرٍ من مصطلح "الارتباك" لدى توصيف السلوك الأميركيّ الأخير في الحالة اليمنيّة، وخصوصًا عندما أشار إلى تسريباتٍ مفادها أنّ الإدارة الأميركيّة كانت قد عرضت "صفقة" على الإدارة الروسيّة ليل الجمعة الماضي، أعربت بموجبها واشنطن عن استعدادها لرفع غطائها كلّيًّا عن عمليّات "التحالف العربيّ" في اليمن، إذا ما وافقت موسكو على إقناع حلفائها السوريّين بوقف طلعاتهم الجوّيّة فوق ما تبقّى من مناطق النفوذ الأميركيّ في سوريا، وتحديدًا في المساحة الجغرافيّة التي يسيطر عليها الأكراد في الوقت الحاليّ عند تخوم الحدود التركيّة، بما يضمن للولايات المتّحدة المحافظة على ماء وجهها إذا ما سار القطار السوريّ، حسب ما هو متوقّع، باتّجاه التسوية والحلّ.
صفقةٌ.. كان لا بدّ من أن تفتح شهيّة المحلّلين أمام طرحِ تساؤلاتٍ جادّةٍ حول نقاط الاختلاف والتلاقي في السياستين الروسيّة والأميركيّة على طول خارطة العالم وعرضها، لو قُدِّر لها أن تخرج إلى العلن. ولكنّ المصدر الروسيّ المقرّب من دوائر صنع القرار في قصر الكرملين، سارع إلى التأكيد في هذا السياق على أنّ استمرار المعارك الضارية لليوم الخامس على التوالي بين القوّات النظاميّة السوريّة ووحدات حماية الشعب الكورديّة في مدينة الحسكة، ليس أكثر أو أقلّ من مؤشّرٍ واضحٍ على أنّ القيادة الروسيّة لم تأخذ "الصفقة" الأميركيّة أساسًا في الاعتبار، ولم تضعها حتّى في حساباتها التكتيكيّة، وذلك لأسبابٍ عديدةٍ، أهمّها أنّ إدارة الرئيس فلاديمير بوتين باتت تدرك أكثر من أيّ وقتٍ مضى أنّ عقد "التحالف العربيّ" في حرب اليمن أوشك على الانفراط، سواءٌ في ظلّ استمرار الغطاء الأميركيّ له أم في ظلّ عدم استمرار هذا الغطاء، ناهيك عن أنّ الخطط العسكريّة التي وضعتها اللجان الروسيّة – التركيّة المشتركة مؤخّرًا بشأن مستقبل الأوضاع الميدانيّة في سوريا، والتي اطّلع عليها مؤخّرًا الجانب الإيرانيّ، أصبحت حاليًّا قيد التنفيذ، وبآليّاتٍ لم يعد يخفى على أحدٍ أنّ الفصائل المسلّحة لقوى المعارضة السوريّة المعتدلة سوف تشارك بفاعليّةٍ فيها، وبغطاءٍ روسيٍّ – تركيٍّ، تمهيدًا لإطلاق العمليّة السياسيّة مجدّدًا في جنيف، وربّما في موسكو هذه المرّة، الأمر الذي يؤكّد المصدر على أنّ الحديث بشأنه قد تمّ فعلًا خلال اللقاءات التي أجراها كلٌّ من القياديّيْن المعارضيْن السوريّيْن أحمد الجربا ومعاذ الخطيب، في مناسبتين مختلفتين، مع المسؤولين الروس خلال الشهر الحاليّ.
هذا الكلام إن دلّ على شيء، فهو لا يدلّ على نسبةِ تراجعِ التأثير السعوديّ في مجريات الأحداث المتسارعة على الساحتين السوريّة واليمنيّة وحسب، وإنّما على نسبةِ تراجعِ التأثير الأميركيّ أيضًا.
وبحسب المصدر الروسيّ أيضًا، فإنّ هذا الأمر لا بدّ وأن يضع قيادة المملكة في الوقت الحاليّ أمام خيارين أحلاهما مرّ: إمّا الاستمرار في السير على طريق التصعيد الممنهج، رغمًا عن كلّ ما يمكن أن يحمله هذا الخيار من عواقبَ وخيمةٍ على مستقبلها السياسيّ والجغرافيّ، أو الدخول على قاعدة اللا غالب واللا مغلوب في إطار منظومةٍ دوليّةٍ – إقليميّةٍ تتشكّل للتوّ، بعدما أدرك معظم أقطابها، وعلى رأسهم تركيا، حجم الأخطاء التي ارتكبوها في غمرة دعمهم لمبادىء الفوضى الخلّاقة التي أراد منظّروها تعميمها على العالم في إطار عَصْفِ "ربيع العرب"، فلم يجدوا في نهاية المطاف سوى الخيبة، والانتكاسات.. والانقلابات.
وللحديث عن أبعاد "الارتباك" الأميركيّ الحاليّ تتمّة.
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)