أمّا وقد أثبت الرئيس التركيّ رجب طيّب أردوغان مهارته في التقاط الفرص التاريخيّة النادرة التي توفّرت له مؤخّرًا فوق خارطة تقاطع المصالح الدوليّة والإقليميّة في الأزمة السوريّة بين كلٍّ من واشنطن وموسكو وطهران، بما أهّله لاستعادة مكانة بلاده الطبيعيّة، باعتبارها لاعبًا أساسيًّا ورقمًا لا يُستهان به في توفير المعادلات ورسم التوازنات ووضع التسويات، فإنّ الأسئلة التي يُفترض طرحها في أعقاب الولوج العسكريّ التركيّ المباشِر إلى ميادين القتال ضدّ عناصر تنظيم "داعش" من جهة، والجماعات الكورديّة المسلّحة في الشمال السوريّ من جهةٍ أخرى، تحت غطاء عمليّة "درع الفرات"، لا بدّ وأن تتركّز في الوقت الحاليّ على محاورَ عدّة، أهمّها المدى الاستراتيجيّ الذي يمكن أن يصل إليه الرئيس أردوغان، على الصعيدين السياسيّ والعسكريّ، انطلاقًا من بوّابة مدينة جرابلس التي فُتحت أمام قوّاته على مصراعيها منذ نهار الأربعاء الماضي، علاوةً على المدى الزمنيّ الذي يمكن أن تأخذه المواجهات الميدانيّة في ساحات المعارك، سواءٌ تلك التي بدأت فعلًا أم تلك التي لم تبدأ بعد، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ ثمّة تحليلاتٍ ذهبت إلى حدّ التأكيد على أنّ احتمال قيام الفصائل الكورديّة المسلّحة بالرضوخ للتطوّرات المستجِدّة في عقر دارها من دون استبسالٍ في المقاومة، ليس أكثر أو أقلّ من وهمٍ لا يرتكز على أيّ أسسٍ منطقيّةٍ، الأمر الذي يؤكّد بالتالي صوابيّة التوقّعات القائلة بأنّ ما يجري حاليًّا في جرابلس ومحيطها، يتجاوز سقف عمليّات التوغّل القصيرة، ويمكن أن يستغرق وقتًا أطول بكثيرٍ ممّا وضعته القيادة التركيّة في حساباتها المعلَنة وغير المعلَنة للمستقبل.
لا شكّ في أنّ الأكراد تلقّوا طعنة مؤلمة في الظهر من حلفائهم الأساسيّين في الولايات المتّحدة، ليس من خلال السماح بإطلاق يد الأتراك في مجال تهديد حاضرهم ومستقبلهم وحسب، وإنّما من خلال رعاية عمليّة "درع الفرات" بشكلٍ كامل، ولدرجةِ أنّ نائب الرئيس الأميركيّ جو بايدن، لم يتردّد في متابعة مساراتها خلال ساعاتها الأولى من غرفة العمليّات العسكريّة في أنقرة إلى جانب وزيريْ الدفاع والداخليّة التركيّين، وذلك بعدما كانت واشنطن قد وضعت قوّاتها الجوّيّة رهن إشارة القوّات البرّيّة التي نفّذت العمليّة، وكذلك بعدما كان بايدن بدوره قد ردّد ما ردّده من كلامٍ معسولٍ أمام الرئيس أردوغان حول المزيد من الضمانات التي أعربت بلاده عن استعدادها لتقديمها إلى الإدارة التركيّة في مواجهة النتائج المترتّبة على محاولة الانقلاب الفاشلة في الخامس عشر من شهر تمّوز الماضي.
وإذا كانت الولايات المتّحدة قد اضطرّت إلى مسايرة ومغازلة الشريك التركيّ على قاعدة "مجبرٌ أخاك لا بطل"، أملًا في استعادته إلى فضائها الأطلسيّ التقليديّ، بما يضمن لها تسجيل نقطةٍ لصالحها ضدّ روسيا وإيران اللتان كادتا أن تنجحا في إخراجه من هذا الفضاء، فإنّ أبعاد هذا التلاقي الأخير بين واشنطن وأنقرة، كانت مخيّمة على أجواء اللقاء الذي جمع البارحة في جنيف بين وزيريْ الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف والأميركيّ جون كيري، وهو اللقاء الذي لم يسفر عن تحقيق أيّ نتائجَ ملموسةٍ على صعيد تجاوز أزمة الثقة القائمة بين الجانبين جرّاء ما تصفه موسكو بـ "سياسات المعايير المزدوجة" التي دأبت واشنطن على انتهاجها حيال الفرص المتاحة لتسوية الأزمة السوريّة، الأمر الذي حال دون تحقيق أيّ تقدّمٍ يذكر حتّى الآن في هذا المجال.
ولعلّ ما يعزّز الاعتقاد بأنّ ملفّ عمليّة "درع الفرات" كان حاضرًا بقوّةٍ في محادثات لافروف – كيري، يتمثّل في فحوى الموقف الذي سمعته الليلة الماضية على لسان مستشرقٍ وخبيرٍ روسيٍّ في الشؤون الاستراتيجيّة عندما قال: "إذا كان الرئيس أردوغان يقبل بالقليل من الكلام الأميركيّ المعسول فتلك مصيبة، وإذا كان يصدّق فعلًا هذا الكلام، فالمصيبة أعظم".
موقفٌ.. وإن كان لا يعبّر بالضرورة عن وجهة نظرٍ رسميّةٍ روسيّةٍ تجاه فحواه، ولكنّه يفتح أفقًا للتفكير بما إذا كان الهدوء الذي يشوب الخطاب الرسميّ في موسكو بخصوص عمليّة "درع الفرات" ينمّ عن مخاوفَ من تداعياتٍ غير مرتقبةٍ على الساحة السوريّة أم لا، وخصوصًا أنّ نظرة واحدة إلى واقع الحال على هذه الساحة في الوقت الراهن، لا بدّ وأن تكون كافية لإقناع الرائي بأنّ أجواء ما بعد العمليّة التركيّة ليست كالأجواء التي سبقتها، وأنّ القطار السوريّ الذي كان يُفترض، حتّى الأمس القريب، أن يوضع على سكّة التسوية والحلّ، أصبح الآن في طريقه إلى المجهول، ولو إلى حين.. وممّا لا شكّ فيه أنّ وجهة هذا القطار النهائيّة ستتّضح خلال الأيّام القليلة المقبلة، في ضوء الوقائع الميدانيّة التي سيُقدَّر تسجيلها هذه المرّة ما بين منبج وما بين عفرين!
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)