أنا واحد من بين الآف المعترين الذين يقطنون منطقة المتن الشمالي، ونجد انفسنا مكرهين على شمّ الروائح العطرة المنبعثة من مطمر برج حمود، صبحاً ومساءً، عند دخولنا إلى العاصمة بيروت من بوابتها الشمالية، وعند خروجنا منها، فنضطر في كل مرّة على أن نمسك بيد مقود السيارة وبالأخرى نسد انوفنا لكي لا نفطس.
فإذا كنا نحن الذين نعبر "طريق الموت" مرتين في اليوم الواحد نتأفف من هذه الرائحة التي تحمل كل انواع الميكروبات، فكيف هي الحال بالنسبة إلى سكان تلك المنطقة، الذين يعيشون ويتعايشون مع هذه المصيبة، لحظة بلحظة، منذ أن يفتحوا عيونهم حتى لحظة يغلقونها، وهم صابرون على وضعهم، وليس امامهم سوى الشكوى والتأفف والتذمر، وهم الذين عانوا ما لم يعانه غيرهم على مدى عشرات السنين، متحّملين القرف ووساخة الآخرين.
ومن دون الدخول على خط الجدل القائم بين حزب الكتائب والوزير اكرم شهّيب، وهي جدلية تذّكرنا بمسرحية "فخر الدين" للأخوين الرحباني حين احتكم إليه اثنان مختلفان، واحد من وادي التيم والآخر من حاصبيا، فقال لهم "مين ما خبّر القصة بيطلع معو حقّ".
ولأن لا مرجعية صالحة للبت في هذه المسألة، ولأن المواطن العادي لا يهمه من كل هذه القصة إذا كانت "الكتائب" على صواب وإذا كان الحقّ مع الوزير شهيب في ما يقوله، باعتبار أن لكل منهما تبريراته وحججه، وهي ليست موضوع ما نحن صائرون إليه، يبقى المهم بالنسبة إليه، وهو "المقبور على قلبه" في هذه المنطقة الموبؤة، وقد سبقه من كان يتحمّل "بلاوي" مطمر الناعمة، ألاّ يفطس من الروائح التي لا تطاق والتي اصبحت متغلغلة في مسام جسمه ومعشعشة في خلايا رئتيه ومغمسة في كل لقمة تنزل إلى بطنه.
ما يفاجئني كيف أن الناس لا يزالون يعضّون على جروحهم وينتظرون الموت البطيء يزحف عليهم، وهم مستكينون ومستسلمون، وكيف لا يهّبون هبّة واحدة دفاعاً عن حياتهم وحياة اطفالهم التي تستباح، وذلك خوفاً من أن تعود النفايات إلى الشوارع، وهم في الاساس يعيشون بين الزبالة المستدامة، ولا من يسأل أو يُسأل، وكأن ما نعيشه امراً طبيعياً، أو أننا مصدّقون عن جدّ أننا نعيش في "سويسرا الشرق"... وما همّ الغريق من البلل؟!