منذ لقاء المصالحة في سانت بطرسبورغ بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان، والحديث يتفاعل عن استدارة تركية حيال الأزمة السورية، بالتزامن مع تصريحات عكست مرونة تركية حيال مصير الرئيس بشار الأسد. لم يمض وقت طويل على اللقاء حتى شرعت تركيا في 24 آب بعملية "درع الفرات " في عمل عسكري بري وجوي للمرة الأولى داخل سوريا تحت مسمى "مكافحة الأرهاب"، مستفيدة من التقارب مع موسكو وطهران، بعدما انتزعت من واشنطن ضوءً أخضرَ تحت وطأة اتهامها بدور بطولي في "ليلة الإنقلاب". فأي تداعيات للتدخل العسكري التركي على مسار الحرب في سوريا؟ وهل يسرّع الحل السياسي أم يطيل الأزمة؟
الباحث في الشؤون التركية الدكتور محمد نور الدين يخالف أصحاب نظرية "الإستدارة التركية"، لاسيما حيال موقفها من مصير الأسد، "فالهدف النهائي لأردوغان أن يرى الأسد خارج السلطة، سواء تحقق ذلك بالضغط العسكري، أم من خلال حلّ سلمي يُبقي الأسد لمرحلة انتقالية لستة أشهر أو سنة، وفي الحالتين الاتراك لا يهدفون إلى تسوية الأزمة السورية سلمياً بقدر ما يرمون إلى عدم رؤية الأسد في السلطة".
وعن تصريحات رئيس الحكومة التركي بن علي يلدريم التي تعكس انفتاحاً حيال الأسد، لفت نور الدين في حديث لـ "
لبنان 24" إلى أنّ الموقف الأساسي من الأسد هو الذي ينطق به أردوغان وليس رئيس الحكومة، "حتّى أنّ الأخير عندما أطلق إشارات انفتاح كان يدلي بنقيضها في اليوم التالي، وآخر موقفين لأردوغان، الاول بحضور نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن، حيث قال "لا يمكن أن تكون سوريا ديمقراطية في حال بقاء الاسد على رأس السلطة " أعقبه في اليوم التالي بتصريح أكثر سلبية عندما قال "ليس مطروحاً إطلاقاً أن تجلس تركيا مع الأسد"، وبالتالي هذه التصريحات هي التي يُؤخذ بها. وباعتقادي فإن التدخل العسكري سيضاعف التشدد التركي حيال الأسد".
نور الدين يتحدث عن إعادة رسم المشهد السوري بدءاً من شماله على خلفية "درع الفرات" ، يقول إن "التدخل العسكري التركي بدءاً باحتلال جرابلس يمثل نقطة تحول بالأزمة السورية لمصلحة تركيا وحلفائها. لأنّ تركيا تحقق من هذا التدخل العديد من الأهداف التي كانت تسعى إليها منذ بدء الأزمة السورية، ومنذ بدء نشوء حالة كيانية كردية، ولكن لم تستطع أن تترجم ذلك لأسباب متعددة منها الموقف الأميركي، وبهذا التدخل نجحت:
- أولاً باستعمال ما يسمى بـ "الكوريدور الكردي" بمنع سيطرة الأكراد على جرابلس ووصل منطقة عفرين غرباً بمنطقة كوباني عين العرب شرقاً، ما يعتبر انجازاً كبيراً وفق المنظار التركي .
- ثانياً سعت تركيا منذ بداية الأزمة إلى إقامة منطقة آمنة شمال سوريا، وتدخلها العسكري أضاف عاملاً جديداً يتيح لها إقامة تلك المنطقة. ولكن تحقيق هذا الهدف رهن بعدة عوامل منها الموقف الأميركي، صحيح أن أميركا سمحت لتركيا بالتوغل البرّي وساعدتها جوّاً، ولكن هل ستسمح لها بإقامة هذه المنطقة وهي التي عارضتها؟ المسألة مفتوحة على أكثر من احتمال، وبطبيعة الحال نية صانع القرار التركي في إقامة تلك المنطقة ليس للاجئين فقط بل لتكون قاعدةً عسكريةً، ومنطلقاً لتشديد الطوق على حلب وعلى النظام السوري وحلفائه في حلب، وهذا بتقديري يعني بدءَ مرحلة جديدة في الصراع العسكري السوري".
عن انعكاس هذا التدخل على سوريا لجهة تسريع الحل أم إطالة أمد الصراع يرى نور الدين أنّ "تصعيد النزاع العسكري في سوريا بعد التدخل التركي في جرابلس أمرٌ غير مستبعد، ولكن في حال كانت هناك تفاهات غير معلنة تحت الطاولة بين أميركا من جهة ووسيا وتركيا وايران من جهة ثانية، عندها يمكن أن يكون التدخل مدخلاً لتحقيق حلّ سياسي للأزمة السورية، ومع ذلك الأوراق الآن متداخلة، وفي حال كان هناك رغبة في حلّ سياسي، الأمر يتطلب وقتاً طويلاً، فهضم التدخل العسكري التركي أمرٌ ليس بهذه السهولة، وتواجد هذا البلد الإقليمي الكبير والأطلسي للمرة الأولى عسكرياً وبشكل مباشر في الأراضي السورية، من شأنه أن يغيّر توازنات داخلية في سوريا لمصلحة تركيا وأميركا، وفي هذه الحال أيُ ذهاب إلى حل سياسي لن يكون في ظل خلل في التوازنات، وقد يكون ما نشهده منطلقا لتصعيد جديد في الحرب، وحينها يمكن أن يتحول هذا التدخل إلى مستنقع لتركيا بدل أن يكون منطلقاً لتحقيق أهدافها المزمنة، سواء فيما يتعلق بالأكراد أو بالمنطقة الآمنة".
إذن تركيا قطفت تنازلاً أميركياً بدعم عمليتها العسكرية في سوريا وضمنت صمتاً روسياً ايرانياً، وما يحكى عن استدارة لا يتجاوز الأقوال التركية من دون أن ينسحب على الأفعال، وتداعيات الخطوة الحربية التركية ينتظرعامل الوقت ليتبلور حينها اتجاه الصراع الكوني في سوريا.
(خاص "
لبنان 24")