الـ pluviophiles، أي الأشخاص الذين يعشقون المطر. هؤلاء، على طريق الإنقراض في لبنان. ما عادت القطرات تمنحهم ترف رؤية الجمال في الحزن. وما عادت رائحة التراب المبلل تجرفهم إلى حنين ودفء. حالهم حال معظم اللبنانيين الذين باتوا يتوّجسون مكروهاً لدى معرفتهم بأن الأمطار على الأبواب. والحال أن أيلول هذا العام "مبلول"، كعادته، ومن المتوقع تساقط المطر في الأيام المقبلة. فعلى ماذا نحن قادمون؟
جرت العادة أن "يتوّقع" المواطنون والجسم الإعلامي أن يؤدي هطول الأمطار إلى طوفان الشوارع وتوّقف السير وتضرر المتاحف والأبنية والمتاجر. على عكس توقعات السيدة عبد اللطيف، دائماَ ما كانوا يصيبون! فالقصة، قصة "ابريق زيت"، و"تيتي تيتي مثل ما رحتي مثل ما جيتي". كلّ شتاء، "تنجح" الأمطار، في فضح رداءة البنى التحتية، وفي تعزيز انعدام ثقة المواطن بدولته. كلّ عام، يغرق المواطنون في بحيرات من التعاسة والذلّ. بشكل استثنائي، تشعل المياه النار في نفوسهم وتحرق أعصابهم. يُفترض أن ينعكس الخريف خيرات على الوجوه، لكنه هنا، يتركها صفراء كورقة شجر هوت عنوة.
فماذا عن اليوم؟
لا يسترسل وزير الأشغال والنقل غازي زعيتر في إجاباته على أسئلة "لبنان24" واستفساراته. يحاول الإختصار قدر المستطاع قائلاً: "نحن في جهوزية تامة. كلّه تمام، وانشالله ما بتصدق توقعاتكم". الكلام إياه ردده الوزير العام الماضي، لكنه كان آنذاك غير مطمئن بسبب انتشار النفايات وتكدسها على الطرقات. حدث ما حدث من "انفجار" شلال على الجسر فوق طريق المطار. اجتاح مواقع التواصل الإجتماعي فيديو "لنهر" من النفايات والمياه يجري في الشارع. لم تستطع قنوات تصريف المياه استيعاب الأمطار المتساقطة، ففاضت على الطرقات العامة جارفة معها الأتربة والوحول والبحص. فاضت الأنهر، وحلّ "طوفان" من الشتائم واللعنات.
لكنّ الوزير يقول اليوم: "العام الفائت، لم يحدث أي شيء. ولا حتى خلال العام الذي سبقه (أي طيلة توليه مهام هذه الوزارة). في أميركا تحدث طوافانات ويسقط ضحايا...لا نبرر لأنفسنا بهذا القول، لكن ما هو مطلوب منا، ننفذه". ثم يتنبّه سائلاً ببراءة: "شفتو شلال؟!!"
مسؤولية تحوّل الأمطار إلى نقمة، لا تتحملها طبعاً وزارة الأشغال وحدها. ثمة أدوار وواجبات كثيرة منوطة بوزارة الداخلية (البلديات) وزارة الطاقة والمياه، مجلس الإنماء والإعمار. إنها مسؤولية تتحملها الدولة بكل مؤسساتها وكوادرها حينما تغفل عن وضع خطط استباقية ومستدامة واستراتيجيات قابلة للتطبيق، وحينما تهمل عملية الرقابة والمحاسبة.
يوافق زعيتر مؤكداً أن "الإقرار بمسؤولية مشتركة لا يعني أبداً أننا نحاول تخفيف الأعباء عن كاهل وزارتنا. لكن، على سبيل المثال، ثمة شركات متعهدة صيانة الأنفاق، موقعة عقودها مع مجلس الإنماء والإعمار، وليس مع وزارة الأشغال!"
يعود الوزير إلى نغمة طمأنة المواطنين: "انشالله بتشتي كثير وما حدا بصرلو شي". نسأله إذاً عن الإجراءات التي اتُخذت ونفذت تفادياً لحصول المعهود. يجيب: "لا يسعني التحدث عن هذه الإجراءات. هناك شركات ودفاتر شروط بعشرات الصفحات".
حسناً... نسأل من يراقب ويحاسب، فيجيب: "هناك مدراء ومهندسون وفنيون. لن أعود إلى الماضي وأسأل عن المحاسبة، علينا أن نهتمّ بالحاضر ونحاول تجنب المشاكل".
خلاصة الموضوع، طمأنة من وزير الأشغال، وتمنيات بشتاء خيّر. فهل للبنانيين أن يناموا على حرير؟ يبدو الأمر صعباً بعض الشيء... على الأرجح، إن لم يجتاح طوفان المياه الشوارع المليئة بالحفر (وهذا فعلاً ما يتمنى كلّ مواطن أن يتحقق)، فسوف يطوف اللبنانيون في الطرقات شاتمين معضلة زحمة السير، والنفايات التي أعادتها الدولة إلى الشوارع على قاعدة "إما الموت بالمطمر وإما ردمكم بالزبالة"، وانقطاع الكهرباء والمياه، وتوقف الاتصالات والانترنت بسبب "رداءة الطقس"، وغلاء المعيشة وارتفاع الأقساط المدرسية ومازوت التدفئة. والساعة التي ولدوا فيها في بلد الفساد والإهمال هذا.