يشي ارتفاع وتيرة الاتّصالات السياسيّة على خطّ بيروت – موسكو في الآونة الأخيرة بأنّ تداعيات المشهد الداخليّ اللبنانيّ ماضية في أخذ المزيد من الاهتمام في أجندة العمل الرسميّ الروسيّ، الأمر الذي يتجلّى بوضوحٍ من خلال الجهود المكثّفة التي يبذلها مبعوث الرئيس فلاديمير بوتين إلى الشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف مع المسؤولين اللبنانيّين الذين ما زالوا يتوافدون على زيارته، الواحد تلو الآخر، أملًا في استقراء ملامح وأبعاد الحضور المتفاعل باضطرادٍ لقيادة قصر الكرملين في شؤون المنطقة وشجونها، منذ بدء ما اتُّفق على تسميته بـ "عاصفة السوخوي" في سوريا يوم الثلاثين من شهر أيلول العام الماضي.
وإذا كانت أزمة الشغور الرئاسيّ في قصر بعبدا قد شكّلت نقطة ارتكازٍ للجهد الديبلوماسيّ الروسيّ الخاصّ بالملفّ اللبنانيّ خلال مرحلة ما قبل بزوغ فجر الحرب الروسيّة على الإرهاب في سوريا، فإنّ ثمّة عناوينَ عريضةً متفرّعةً عن هذه الأزمة، كان لا بدّ لها من أن تأخذ الحيّز الذي تستحقّه من الاهتمام في سياق هذا الجهد، وعلى رأسها تحصين مناعة لبنان ضدّ خطر المدّ الإرهابيّ الذي يتهدّده، بكلّ ما يستوجبه ذلك من دعمٍ فنّيٍّ ولوجستيٍّ يُفترض تقديمه لمؤسّسة الجيش اللبنانيّ والأجهزة الأمنيّة الأخرى على هذا الصعيد، الأمر الذي سرعان ما تبلور من خلال الإنجازات اللافتة والمبهرة التي تحقّقت، سواءٌ في مجال تفكيك الخلايا الإرهابيّة أم في مجال ضبط الحدود اللبنانيّة – السوريّة، والتي أهّلت لبنان بجدارةٍ لكي يكتسب صفة التميّز في عالم الأمن الاستباقيّ.
لا شكّ في أنّ القيادة الروسيّة تدرك جيّدًا أنّ لأبعادِ المحافظةِ على الاستقرار اللبنانيّ أثرًا بالغًا في تطمين الطوائف اللبنانية على مستقبلها في هذا الشرق الحافل بالصراعات الدامية، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ هذه الصراعات ما زالت تواصل إطلاق نذائرها الموبؤة بنزعات سياسات الإقصاء والإلغاء، الأمر الذي استوجب تقديم جهدٍ إضافيٍّ روسيٍّ في مجال الحدّ من تأثيرات تلك النذائر، وذلك بالتزامن مع استمرار العمليّات العسكريّة في ميادين القتال.
وفي هذا السياق، كان لافتًا أن تشهد العاصمة الروسيّة خلال الأيّام القليلة الماضية زيارتين متتاليتين لكلّ من رئيس حزب الكتائب اللبنانيّة الشيخ سامي الجميّل ورئيس الحزب الديمقراطيّ الأمير طلال أرسلان، وهما الزيارتان اللتان تحملان على إيقاعهما دلالاتٍ خاصةً، بكلّ ما في الكلمة من معنى.
وإذا كانت زيارة الشيخ سامي محضّرةً منذ فترة، بحسب ما أعلنه نائب رئيس الحزب سليم الصايغ، فإنّ علامتها الفارقة تتجلّى من خلال قيام بوغدانوف باستبقاء ضيفه اللبنانيّ على مائدة الغداء خلافًا لما درجت عليه العادة مع غيره من المسؤولين، الأمر الذي دفع الصايغ إلى التأكيد على أنّ تأثيرات هذه الزيارة وترجمتها ستظهر خلال الأشهر القليلة المقبلة، وخصوصًا على صعيد الحوار المسؤول والعقلانيّ مع روسيا، موضحًا أنّ ثمّة استيعابًا أكبر اليوم لدور موسكو في حلّ الأزمة السوريّة والمعضلات الأخرى في المنطقة، حيث "لا يمكن الوصول إلى حلول من دون أن يكون هناك تواصلٌ بنّاءٌ مع دولة عظمى مثل روسيا".
كلامٌ.. تطابق إلى حدّ التوأمة مع ما صدر عن الأمير طلال من مواقفَ خلال زيارته، وخصوصًا عندما أكّد على أهميّة الدور الروسيّ في "حفظ توازنات منطقة الشرق الأوسط لناحية كشف أبعاد المخطّط الارهابيّ الذي يهدّد السلم العالميّ"، موضحًا أنّ هذا الدور سيحمي لبنان تلقائيًّا بمجرّد وجوده في المنطقة، وذلك على أساس أنّ "تثبيت الاستقرار في سوريا سيساعد على استقرار لبنان".
ولعلّ تشديد الأمير طلال على أنّ "الدور الروسيّ يبقى الضمانة الأساسيّة، بل الوحيدة في هذه الظروف لحماية حقوق الطوائف اللبنانية، وإرساء نظامٍ عالميٍّ جديدٍ يضمن التوازن الدوليّ في مواجهة الأحاديّة الغربيّة، التي أصبحت تهدّد كيانات وشعوب العالم المستضعفة"، ما هو إلّا مؤشّر على أنّ تسوية أزمة الشغور الرئاسيّ في لبنان، ستبقى نقطة ارتكازٍ للجهد الديبلوماسيّ الروسيّ خلال المرحلة المقبلة، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ النظرة الروسيّة إلى هذا البلد القائم على التعدّديّة، إنّما قامت على اعتباره "الوطن – الرسالة" وليس "الوطن – صندوق البريد".. وحبّذا لو يدرك اللبنانيّون أهميّة هذه النظرة.
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)