"نحن الآن على وشك تحقيق ما نأمل فيه ان يكون اتفاقاً كبيراً في ما يخص الوضع في مدينة حلب السورية" هذا ما بشر به وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لدى زيارته طهران في اليومين الماضيين، مشيراً الى "أن المسؤولين العسكريين الروس والاميركان سيجتمعون في الساعات القليلة المقبلة من أجل التوصل الى اتفاق نهائي بهذا الشأن". اذاً هو خيط من خيوط "الأهداف المشتركة" الاميركية -الروسية التي واكبت حراكهما منذ بزوغ فجر الملف النووي لتنسحب تباعاً على باقي ملاحقه في المنطقة انطلاقا من العقدة السورية.
قد يشك البعض في صحة اقتراب خروج الدخان الابيض في الملف السوري، الاّ أن الحراك الروسي الحاصل على خطوط ومحاور متعددة يؤشر الى بلوغ المرحلة التنفيذية من التسوية نقطة "تجميع" للقوى الفاعلة والمؤثرة في المنطقة- على التناقضات القائمة في ما بينها- واستجرارها للرّص في صف الدب الروسي، بشكل يضمن له من خلال ذلك، تقليص دائرة القوى المعارضة لمخططه، عبر "الهز" بعصا نقاط الضعف التي توجع تلك القوى ولاسيما ان الاخيرة "استوت" إلى حدّ "الهريان" وباتت جاهزة لتقديم التنازلات بعد الانهاك وسلسلة الاخفاقات والازمات التي اصابتها ولاسيما في بيتها الداخلي، وتصدع العلاقات بينها وبين قوى أخرى كانت لها في الماضي سنداَ مضموناَ لارجعة فيه، ودلالات ذلك يمكن اختصارها في التبدل الواضح والسريع الذي طرأ على العلاقة الروسية- التركية، والتي من المتوقع ان تشهد تطورا اضافيا مع الزيارة المرتقبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين نهاية الشهر الجاري الى تركيا لحضور مبارة بين منتخب البلدين الى جانب الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، وانفراج الازمة المصرية مع روسيا والتي بشر باقترابه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مؤخرا بعد اجراء محادثات بين القاهرة وموسكو لاستئناف عودة الرحلات الجوية ببن البلدين بعد توقفها في تشرين الثاني الماضي في اعقاب حادث تحطم الطائرة الروسية عقب اقلاعها من مطار شرم الشيخ، اضف الى ذلك ما ذكرته تقارير عدة عن جهود روسية تبذل وبدعم مصري لعقد قمة "أبومازن- نتانياهو" في محاولة لاحياء عملية السلام من جديد، والتي اكدّها الرئيس المصري بكشفه :"ابداء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعداده لاستقبال كل من ابو مازن ونتانياهو في موسكو لاجراء محادثات مباشرة".
الرياض... نقطة ارتكاز
الخطوات الروسية تلك يبدو انها لن تقف عند هذا الحد، فللمملكة العربية السعودية حصتها ايضا منها، ولاسيما ان الخلافات الروسية- السعودية حول الملف السوري لم تتبدد بعد، ومن المتوقع ان يشهد هامش قمة العشرين التي ستعقد في "هانغتشو" الصينية في مطلع ايلول المقبل، لقاء بين زعيمي هذين البلدين بما يجمع في نتائجه من حدي السيف، خاصة ان المملكة العربية السعودية تكاد تكون اللاعب الدولي الوحيد الذي مازال حتى الساعة الثابت، الرابض على مواقفه تجاه ملفات المنطقة وبخاصة الملف السوري، لا بل اكثر فهو مازال الورقة الصلبة الصعبة التطييع والتطبيع لدى اللاعب الروسي، وربما هذا ما يفسر شبكة الضغوطات التي تزداد يوما بعد يوم تطويقا وتضييقا مدروساً على حراكه وتقف جداراً عازلاً امام مبتغاه والتي نلخص ابرز علامتها بما يلي:
- سحب اللاعب القطري من الجناح الخليجي، وظهر ذلك من خلال اتهام وزير الدفاع القطري في تغريدة على حسابه الشخصي في احدى مواقع التواصل الاجتماعي، للمملكة "تلميحا "موجها أصابع الاتهام اليها والى الامارات بعلمهم بمحاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا.
- التفاوض القطري- التركي الحاصل مؤخرا لزيادة الاستثمارات القطرية في تركيا والتي من المتوقع ان تقفز قريبا من 4.5 مليار دولار الى ستة مليار دولار.
- الحراك التركي باتجاه اللاعب الروسي والايراني، وانحراف مواقفه في الملف السوري عن المواقف السابقة مما شكل طعنة في ظهر اللاعب السعودي، فكانت الترجمة تباطؤاً وضعفاً في ردة فعل الاخير على الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا، واكبه قيام وسائل الاعلام المحسوبة على المملكة على تغطية الانقلاب بشكل كان اقرب الى تمثيل المعسكر المؤيد للانقلاب.
- سحب الولايات المتحدة الاميركية خلية استشارية عسكرية في السعودية كانت شاركت في اطار دعم التحالف الذي تقوده المملكة في اليمن، مؤكدة على لسان المتحدث باسم البنتاغون "آدم ستامب" ان هذ الدعم " ليس شيكا على بياض".
- ذهاب الامارات العربية خلف مصالحها من خلال قيامها بتمويل صفقات أسلحة روسية لمصر.
جمع التناقضات
اذا هو مشهد يعكس وجها جديدا للحل في المنطقة من خلال جمع التناقضات والدفع بها نحو تقديم التنازلات في نقاط اعتبرت فيما مضى من المحرمات في ملفات دقيقة في المنطقة، على ما يؤشر ذلك من احتمال مقابلة تلك التنازلات بولادات جديدة لقوى أخرى صغيرة تم الاستعانة بها في بلورة المشهد الحالي، والتي من الطبيعي انها لن تقبل الخروج من التسوية خالية الوفاض، وربما قد يكون ابرز وجوهها، وجه تنظيم" الاخوان المسلمين" الذي لم يخفِ طموحاته في التسوية الجاري العمل عليها، وقد عبر عنها مؤخرا المراقب العام لتنظيم الاخوان المسلمين في سوريا محمد حكمت وليد مهددا "بتعطيل الاخوان لاي اتفاق سياسي لا يحقق مصالحهم" وبأنهم "سينسحبون من العملية في حال تهديد دورهم"، ربما قد تكون هذه هي القشة الحقيقية التي تلطت في غبار خطر الكيان الكردي الذي سحب كل الاضواء مؤخرا، هذه القشة التي كانت مدار صولات وجولات في اكثر من ميدان، والتي سرب حولها في ما مضى، محضر لقاء جمع كلاً من الرئيسين التركي اردوغان والسوري الاسد في شباط 2011، والذي ورد فيه طلب اردوغان من الاسد "التحدث مع الاخوان المسلمين كي يكون لهم تنظيم حزبي مدني لا يركز على الدين". هذا الملف الذي يبدو انه لم يتم وضع خواتيمه بعد، وربما سيحتل في المرحلة المقبلة حيزا واسعا من التفاوض ولاسيما على ساحة الحل السورية، محاطا ومسلحاً برعاية تركية - قطرية لا بأس بها.
المشهد اللبناني
ولكن ما ذا سيكون عليه المشهد اللبناني في ظل هذا المشهد الذي ينذر بتغيرات كبيرة ومفاجئة في المنطقة؟!
القراءة الاولية للواقع اللبناني تؤشر بما لا يرقى اليه الشك الى ذهاب القوى الداخلية "ممارسة" خارج حدود "اتفاق الطائف"، لابل اكثر خروج البعض منها الى ما قبل ميثاق 1943 من خلال الرضوخ لارادة الخارج ولما ستنتجه التسوية في الملف السوري من حلول، رابطا كل منهم مصيره بمصير القوى الخارجية التي يدين جهارا بالولاء لها، موليا حقوق ومصالح الطائفة على مصلحة الدولة وشركائه فيها. هذا السلوك الذي حتى الساعة لم تشعر اقدام هذه القوى بلسعات نيرانه المشتعلة، في حال لم يتم تداركه بفكفكة داخلية لبنانية صرفة للملفات العالقة، ستكون عواقبه خطيرة، ليس على كيان الدولة ونظامه فقط وانما على وجود كل مكون من مكوناتها، حيث التوازن الداخلي بين حصص الطوائف ضمن الدولة سيقابله انتزاع حصص خارجية متوازنة من الدولة عينها، بما يشكل ذلك من انقسام اضافي وامعان في تمزيق وحدتها. وربما منحى الامور الحاصلة اليوم في خط الاستحقاق الرئاسي هي خير دليل على تكرار للسيناريو الذي حصل سابقا والذي كُشف في ما بعد من خلال تسريب محضر اللقاء الاخير الذي جمع الرئيسين التركي والسوري في العام 2011، حيث ورد على لسان الاسد حينها بأنه:" في لبنان يختلفون على صلاحيات نائب رئيس الوزراء وعلى مدير درجة اولى في طائفته، كل هذا لا يهمنا، ما يهمنا بالدرجة الاولى – وهذا خط احمر بالنسبة لنا – دعم المقاومة و"حزب الله" وحليفه الجنرال عون الذي لا نستطيع ان نخذله".
في المقابل، وامام هذا السيناريو،علامة استفهام كبيرة ترسم عن مصير كرسي رئاسة الحكومة المقبلة، خاصة ان خطها شهد حراكا غير مباشراً قاده الرئيس سعد الحريري مؤخرا على متن الخطوط الروسية والتركية، والتي يبدو انها كانت بمثابة "قشرة الموز" التي زلقته في "ورطة" كبيرة، فرضت عليه للخروج منها، احد خيارين: اما الخروج من العباءة السعودية بضمانات مؤكدة او البقاء فيها من دون اي ضمانات بما فيها السعودية.
(ميرفت ملحم – محام بالإستئناف)