منذ أن كان الفراغ في سدّة الرئاسة والبلاد تعيش فراغاً على كل المستويات، باستثناء ما نسمعه عن صفقات يومية في كل مشروع، يقال أنه من اجل المصلحة العامة، وهي باتت معمّمة في شكل مخيف "وعلى عينك يا تاجر"، من دون وازع وبالتالي من دون مراقبة أو محاسبة، وكأن البلد أصبح بقرة حلوب، أو مشاعاً لكل مستفيد من غياب من يُفترض بهم أن يكونوا "حاميها وليس حراميها".
ولأننا بتنا نحن المشتغلين بـ"مهنة المتاعب "نفتش بالسراج والفتيلة عن خبر من هنا ومعلومة مفيدة من هناك، وغالباً لا نجدها إلاّ بشق النفس، وهذا الامر يؤشر إلى انعكاس الفراغ المعّمم على كل مفاصل الحياة السياسية، وعلى العقم الذي يعيشه أهل السياسة المنتظرين المنّ والسلوى من خارج الحدود، خصوصاً أن من ننتظر منهم الحلّ الشافي باتوا هم ايضاً ينتظرون تغييرات تعيد إليهم ما فقدوه من ادوار، سواء على مستوى دولهم المنشغلة بمشاكلها الداخلية أو على مستوى ما كان يؤمل منها من تدخلات شبيهة باتفاقي الطائف والدوحة.
فكلما حاولنا أن نرفع حجر عثرة، سياسياً كان أم غير سياسي، يطلع لنا عقرب قاتل، وهو يأخذ اشكالاً مختلفة كلها بلون الفساد واخواته، كالرشوة والبارطيل والسمسرات والمتاجرة غير المشروعة، والصفقات المشبوهة، حتى أن البعض بات يرهن صحة المواطنين بما توفره له صفقة من هنا "وضرب شطارة" من هناك، وكان آخرها ما يُحكى عن ازمة النفايات، التي باتت مصدر قلق مستمر، ومصدراً لكل انواع الامراض الجرثومية، الخبيث منها وغير الخبيث.
فبئس هذه الطبقة من المسؤولين التي أوصلتنا إلى مزابل التاريخ وإلى العيش بقرف ما بعده قرف، وإلى الكفر بما تبقّى لنا من صور جميلة عن وطن لا نزال نحلم بأنها ستعود يوما غصباً عمن لا يريد لهذا الوطن قيامة من تحت الرماد.
قد يعتب علينا كثيرون والأدهى أنهم سيعتبون إذا ما شتمهم الناس، وكأن ما قاله في يوم من الايام جورج برنارد شو، موجّه إلى هكذا طينة من المسؤولين، فقال:"يستفزونك ليخرجوا أسوأ ما فيك، ثم يقولون هذا انت. لا يا عزيزي هذا ليس انا. هذا ما تريده انت".