تمامًا مثلما تمكّن الرئيس الأميركيّ باراك أوباما من تجاوز أزمة مراسم استقباله "المهينة" من قبل المسؤولين الصينيّين لدى وصوله إلى مطار مدينة هانغتشو للمشاركة في فعاليّات قمّة "مجموعة العشرين" المنعقدة هناك، سواءٌ من جهة اضطراره إلى استخدام سلّم الطوارىء الخلفيّ للنزول من طائرته بسبب عدم توفير سلّمٍ متحرّكٍ للباب الأماميّ، أم من جهة إلزامه بالسير على أرض مدرّج المطار من دون أن تُفرَش له سجّادة حمراء، فإنّه لم يجد صعوبة أيضًا في تجاوز الحرج الناجم عن اقترابه المفاجىء من نظيره الروسيّ فلاديمير بوتين، ليبادر بسؤاله عمّا إذا كان يرغب في عقد اجتماعٍ جانبيٍّ بينهما على هامش القمّة، وذلك إثر الانتهاء من التقاط الصور التذكاريّة للقادة المشاركين، الأمر الذي سرعان ما أدّى إلى فتح شهيّة المحلّلين أمام طرح تساؤلاتٍ جادّةٍ حول حجم الهوّة التي ما زالت تفرّق بين "الشريكين اللدودين" في مجال تقاسم المصالح والنفوذ في الملفّات الإقليميّة والدوليّة المختلَف عليها، ولا سيّما أنّ مبادرة الرئيس أوباما، كانت قد جاءت في الأصل قبيل التأكيد رسميًّا على أنّ وزيريْ الخارجيّة الأميركيّ جون كيري والروسيّ سيرغي لافروف يعتزمان استئناف لقاءاتهما المشتركة نهاريْ أمس واليوم، أي في الوقت الذي كانت فيه المؤشّرات تواصل الإيحاء بأنّ إمكانيّة تفاهم الجانبين حول المسائل الخلافيّة بينهما، لا تزال عالقةً داخل عنق زجاجة الأزمة السوريّة.
لا شكّ في أنّ الرئيس الأميركيّ يدرك جيّدًا، شأنه في ذلك شأن نظرائه من قادة دول العالم، أنّ ما يتشكّل منه عَصَبُ القممِ وقوّةُ الدفعِ فيها، ليس بالضرورة بيانًا ختاميًّا يتلوه رئيس الدولة المضيفة بعباراتٍ منمّقةٍ على مسامع الحضور لدى انتهاء فعاليّات الجلسات المقرَّرة، وإنّما بمشاريعِ صفقاتٍ واتّفاقيّاتٍ جانبيّةً تُطبَخ وتُبرَم على هامش تلك الجلسات، الأمر الذي تجلّى بالفعل من خلال ما شهدناه من زخمٍ في وتيرة اللقاءات التي كرّت سُبحتها على مدى اليومين الماضيين بين مختلف أطياف القادة المشاركين في قمّة "مجموعة العشرين"، سواءٌ كانوا أميركيّين أم روسًا أم أتراكًا أم ألمانًا أم سعوديّين أم مصريّين أم فرنسيّين أم بريطانيّين أم صينيّين، حيث حضرت كافّة الملفّات المصلحيّة التي يمكن أن تَجمَع أو أن تُفرِّق بين هؤلاء القادة، تحت مظلّة الحرب على إرهاب تنظيم "داعش" بنسختيها الأميركيّة والروسيّة على حدٍّ سواء، ولكن من دون أن يحضر العنصر الأهمّ الذي أثبت جدارته بحقٍّ في ميادين القتال خلال هذه الحرب، وخصوصًا على الجبهات الميدانيّة الممتدّة ما بين كوباني وما بين منبج، على سبيل المثال وليس الحصر، وهو العنصر الكورديّ بكلّ تأكيد.
هذا العنصر الذي يُفترض أنّ الولايات المتّحدة تقدّم له كافّة أشكال الدعم، ماديًّا ومعنويًّا ولوجستيًّا، كان قد قدّم نهار الخميس الماضي عروس شهدائه، آسيا رمضان عنتر التي تبلغ من العمر اثنين وعشرين عامًا، وذلك بينما كانت تستبسل حتّى الرمق الأخير في القتال ضدّ الإرهاب الداعشيّ ومشتقّاته التكفيريّة في ريف مدينة منبج السوريّة، وبينما كانت شبكة بطّاريات صواريخ "إس. أربعمئة" الروسيّة تواصل رحلة انتظارها لإحداثيّاتِ غرفة العمليّات الأميركيّة بشأن الفصل ما بين "الإرهابيّين" وما بين فصائل "المعارضة المعتدلة" في سوريا، وبينما كان "الجوكر" التركيّ في لعبة التوازنات المتنافَس عليها حاليًّا على المحاور الأميركيّة والروسيّة والإيرانيّة مستمرًّا، على هواه، في تنفيذ أجندته الخاصّة في العمق السوريّ، إلى ما هنالك من أمورٍ يمكن إدراجها في خانة عدم الوفاء لطموحاتِ شعبٍ كورديٍّ أكل الدهر على طاولة أحلامه وشرب منذ ما يقارب المئة عام.. وأكثر.
عروسٌ.. وبغضّ النظر عمّا إذا كان وصفها بـ "أنجيلينا جولي الكورد" لا يزال مناسبًا لها بعد استشهادها أم لا، على خلفيّة ما تردّد عن الشبه الذي تناسق في حياتها، من حيث ملامح الوجه، بينها وبين النجمة الأميركيّة الجميلة أنجيلينا جولي، فإنّ ما لا يقبل الجدل هو أنّ آسيا رمضان عنتر هي حقًّا سيّدةُ شهداء الحرب على "داعش" وقدّيستُهم، إقليميًّا ودوليًّا، وإسلاميًّا ومسيحيًّا، وفطريًّا وروحانيًّا، إلى ما لا حدود له من مقارباتٍ تليق بطهارة روحها التي صعدت لتوّها إلى السماء.
وإذا كان اثنان لا يختلفان على أنّ نظرةً واحدةً بالعين المجرّدة، وبتجرّدٍ، إلى المحطّات التاريخيّة التي مرّت بها القضيّة الكورديّة على مرّ الزمان، تكفي لإقناع الرائي بأنّ المسيرة النضاليّة التي خفقت لها قلوب أبناء هذا الشعب على طريق تحقيق حلم بناء وطنهم القوميّ، لم تكن أكثر أو أقلّ من جلجلةٍ حقيقيّةٍ بكلّ ما في الكلمة من معنى، سالت على درب آلامها دماءٌ كثيرةٌ ودموعٌ أكثر، من دون أن تحبط أكاليل الشوك آمال التوّاقين إلى غاية الحلم ومشتهاه، أو أن تحدّ من عزيمتهم على المضيّ قُدمًا إلى الأمام، فإنّ الرائي لا بدّ وأن يدرك أيضًا أنّ أبناء هذا الشعب ظلّوا على مرّ الزمان يُسكِنون جموحهم في جروحهم، ويسيرون.. ويسيلون.
وفي هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ أحدًا لا يمكن أن يدرك سرّ هذا "الوجع المقدّس" أكثر من أمّةٍ شاءت لها أقدارها السيّئة أن يتحوّل أبناؤها إلى شعوبٍ تتوزّع على امتداد المساحات الجغرافيّة لهذا البلد أو ذاك، بين سوريا والعراق وإيران وتركيا، حسب ما هو الحال عليه في المسألة الكورديّة، وخصوصًا إذا كان جهاز التحكّم عن بعدٍ في عمليّة التوزيع مرهونًا بمشيئة نزوات الدول الكبرى ونهم مصالحها التي لا تشبع، على غرار ما تشي به الصفقات المستحدَثة حاليًّا خلال اللقاءات الجانبيّة التي شهدتها أروقة قمّة العشرين في الصين، حيث يكاد العهر التكتيكيّ بين قادة الدول الأعضاء أن يبلغ منتهاه، خلف ستائر تسوياتٍ وحلولٍ مشبوهةٍ، لا تتناسق مع طموحات الأمّة الكورديّة بأيّ شكلٍ من الأشكال.. ففي زمان مصالح الأقوياء، وتحت شعار محاربة "داعش"، أصبح من السهل تحويل العبوة الناسفة إلى علبة حلوى، والقنبلة إلى زهرة غاردينيا، والصاروخ إلى أنبوب نفط، بينما يبقى الدم المسفوك في غمرة الحروب على هذه المصالح عصيًّا على التصريف في بيانات المتحاربين وتصريحاتهم ومواقفهم.. وما دم آسيا رمضان عنتر إلّا شاهدًا وشهيدًا على ذلك.
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)