لم تسلم مخلوقات البحر من مخالب الفساد الشرسة. بعد سلسلة الأطعمة الفاسدة المتنوعة، جاء دور الأسماك، اذ تمّ، مطلع الشهر الحالي، ضبط طنين منتهية الصلاحية. لم يعد من سبيل للهروب من التهام "الوسخ" في لبنان. بات متفشيًا حتى الشرايين. أما الغشّ، فكان ولا يزال "أوكسيجين" أموات الضمير.
قد يصعب تصديق أن بعض المستهلكين لا يستطيعون التمييز بين ما هو فاسد وما هو صالح للأكل، "على العميانة". تحديدًا في ما خصّ الأسماك. حدث أن سيدة دخلت إحدى "المسامك" وأردت صاحبها بعبارة قاتلة: "كل أسماكك غير طازجة". "لماذا؟"، سأل. "لأن رائحتها ليست قوية كتلك التي اشتريها من بائعي الطريق!". كاد الرجل أن يحيلها الى البحر، فتختبر رحلة صيد علّها تصطاد سمكة وتشمّ رائحتها شبه المعدومة.
ليس بالضرورة أن ينحصر الفساد بأسماك منتهية الصلاحية وغير قابلة للإستهلاك. قد يكون المعروض في برادات السوبرماركت والمطاعم والمسامك، لا ضرر فيه. لكن غالبًا ما يكون الغشّ سيد الموقف. العبارة الأكثر تداولاً هنا، "سمك طازج...هلق طالع من البحر". يصدّق كثيرون، ربما مجبرين تحت حدّ الجوع والشهية، هذا الأمر، ويبتاعون ما يريدون. لكن هل من إشارات تساعدهم على فضح الأكاذيب؟ وكيف تُميّز الأسماك الطازجة عن أخواتها القديمة أو المستوردة؟!
السمك الطازج
يعتمد الشيف رمزي شويري في المرتبة الأولى على المصدر. يقول في اتصال مع موقع "لبنان24": "يجب أن نعرف مصدر الأسماك التي نريد ابتياعها، هل تمّ اصطيادها من بحرنا أم لا؟" تبقى هذه المسألة صعبة أو شبه مستحيلة أمام غالبية الشعب اللبناني الذي يلجأ الى السوبرماركت لشراء الأسماك. "ثمّ الرائحة، هل هي قوية وكريهة؟ اذًا، فهي غير طازجة أو ربما فاسدة". يعلم الشيف رمزي أن لا حدود للغشّ. ثمة من يلجأ الى تلوين خياشيم (عضو التنفس) الأسماك باللون الأحمر للإيحاء بأنها طازجة. "لكن الرائحة لا يمكن أن تلوّن أو تكحل"، يجزم صاحب الخبرة الطويلة في الطهي.
ثمة إشارات أخرى. صاحب إحدى المسامك في منطقة العقيبة نعمة الله القزي يعطي المزيد من الارشادات. في حديثه لـ"لبنان24"، يدعو المواطنين الى تحسس السمكة. هل هي جامدة أم هزيلة؟ "الحبّة الصلبة طازجة، اما تلك التي اذا ما ضغطت على لحمها فتراه ليّنًا، فهي قديمة". يؤمن القزي بأن للأسماك لغة: "فهي تنده للزبائن اذا ما كانت طازجة، أما القديمة فتبدو حزينة". العين أيضًا...تلك اللامعة والنافرة تعود لسمكة طازجة، اما عديمة البريق والمتقلصة فهي حتمًا لسمكة خرجت منذ أكثر من خمسة أيام من عالمها.
لا يعرف القزي كيف تلوّن خياشيم الأسماك. هو لم يفعلها قطّ طوال حياته المهنية، فهو بحري كما يقول. بيد أن الرجل يقرّ بأن "براداته" تحمل ايضًا اسماكًا مستوردة، كـ "الأجاج" و"البريق" على سبيل المثال، وهما غير متوافرين في بحرنا، الا أن الطلب في السوق عليهما كبير. يضيف: "الغبّص" البلدي يكون صغير الحجم، إما اذا كان كبيرًا فهو حتمًا مستورد من تركيا. "المواسطة" موجودة بوفرة في بحرنا، وهي ذات لون مائل الى الأخضر فهي تأكل الطحالب". يشددّ القزي هنا على التمعّن في لون الأسماك، فهذا دليل إضافي يشير الى عمرها بعد وفاتها!
سهولة الغش
غير أن بعض الأسماك متشابهة من حيث الشكل، وهنا يسهل الغشّ. بحسب معلومات القزي، ثمة مطاعم تقدّم "البلميدا" و"أبو مسقار" على أساس أنه "لقّز"، فيتجاوز فرق السعر المئة الف ليرة كربح لصاحب المطعم.
بالنسبة الى البحري روجيه خليفة من منطقة جبيل، لا يغطي ما يتمّ اصطياده في لبنان السوق كلّه، لذا يتمّ استيراد الكثير من الأنواع من الخارج، كمصر وقبرص وتركيا...
في حديثه لـ "
لبنان24" يميّز ما بين المستورد المبرّد أو المثلّج. الأخير لا يمكن إعادة تجليده مرة أخرى بعد تذويبه. فهنا يصبح فاسدًا. كثيرون ممن يجولون على الطرقات لبيع السمك، يعمدون الى تذويب الأنواع المختلفة وبيعها على أساس أنها طازجة. "تصل رائحتها الى البحر"، يمازح خليفة.
وعن المدّة التي يجب الا تتخطاها الأسماك بعد إخراجها من البحر كي تظلّ تحظى بلقب الطازجة، يقول خليفة: "ثلاث أو أربعة أيام كحدّ أقصى، يمكن بعدها تجليدها شرط أن تؤكل فورًا بعد تذويبها".
أما عن أسلوب تلوين خراشيم الأسماك، فيقول خليفة إنه كان يعتمد في السابق، وربما لا يزال حتى اليوم تحديدًا على الأنواع الكبيرة الحجم والنادرة، بحيث يستخدم "الدوا الأحمر" الذي لا يمحى بسهولة مع الماء. فكلّ ما طال عمر السمكة يتحوّل لون هذه الخراشيم الى الأبيض أو الزهري"، مؤكدًا أنه "احتيال مؤسف، لكن بوسع المستهلك اللجوء الى طرق شتّى لكشف المضمور، مثلاً شكل عين الاسماك وصلابة لحمها".
لا يخفي خليفة بدوره أن ثمة تلاعبًا في بعض المطاعم في ما خصّ عمر الأسماك وأنواعها وأسعارها، "والشاطر بشطارتو ينجو".
("
لبنان 24")