لم يكد وزير الدفاع الأميركيّ آشتون كارتر يعلن البارحة من جامعة أوكسفورد البريطانيّة أنّ بلاده فقدت الأمل في التوصّل مع روسيا إلى وقفٍ لإطلاق النار في سوريا، على خلفيّة الأنباء "غير المشجِّعة" الواردة من جبهات القتال، حتّى سارعت مصادر ديبلوماسيّة في كلٍّ من موسكو وواشنطن، إلى التأكيد أنّ وزيريْ الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف والأميركيّ جون كيري، يعتزمان استئناف محادثاتهما الخاصّة بالأزمة السوريّة في جنيف، اليوم الخميس وغدًا الجمعة، أملًا في حلحلة المسائل الخلافيّة بين الجانبين حول سبل تسوية هذه الأزمة، الأمر الذي أدّى إلى إضفاءِ مسحةٍ من التفاؤل بإمكانيّة تحقيق تقدّمٍ، ولو نسبيٍّ، هذه المرّة، بعدما ظلّ موقف كارتر التشاؤميّ يواصل إطلاق نذائره على مدى الساعات الأربع والعشرين الماضية.
وبحسب وزارة الخارجيّة الروسيّة، فإنّ الوزيرين لافروف وكيري عملا خلال اتّصالٍ هاتفيٍّ نهار أمس الأربعاء على تفاصيل اتّفاق تعاونٍ مشتركٍ في مجال "التصدّي للجماعات الإرهابيّة في سوريا، وإيصال المساعدات الإنسانيّة، وبدء العمليّة السياسيّة"، الأمر الذي يتناسق مع الموقف الذي كان الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين قد عبّر عنه نهار الاثنين الماضي، عندما قال إنّ هناك "تقاربًا معيّنًا في المواقف" بين موسكو وواشنطن بشأن سوريا، مؤكّدًا إمكانيّة التوصّل إلى اتّفاقٍ "خلال الأيّام المقبلة"، على رغم أنّ مشاوراته غير الرسميّة مع نظيره الأميركيّ باراك أوباما على هامش قمّة "مجموعة العشرين" في الصين لم تكن قد أسفرت عن نتائج إيجابيّة.
على هذا الأساس، ونظرًا إلى أنّ لافروف وكيري سبق لهما أن اجتمعا مرارًا، ولساعاتٍ طويلةٍ، من دون ردم الهوّة بينهما، فإنّ التكهّن بإمكانيّة تصاعد الدخان الأبيض من جنيف، اليوم أو غدًا، يبقى سابقًا لأوانه، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ ثمّة نقطةً خلافيّةً طارئةً استجدّت خلال مكالمة الرجلين الهاتفيّة نهار أمس، وتجلّت بوضوحٍ عندما عبّر لافروف عن احتجاجه على العقوبات الجديدة التي أقرّتها واشنطن بحقّ موسكو على خلفيّة الأزمة الأوكرانيّة، مشدّدًا على أنّه "من المستحيل قيام تعاونٍ طبيعيٍّ يشمل تسوية النزاعات الإقليميّة، الأمر الذي تطلبه إدارة الرئيس باراك أوباما بشكلٍ دائمٍ، من دون احترام حدٍّ أدنى من التوافقات"، حسب ما ورد في بيان وزارة الخارجيّة الروسيّة.
في موازاة ذلك، يبدو أنّ ثمّة عنصرًا جديدًا دخل على معادلة الأزمة السوريّة مؤخّرًا، وأصبح من شأنه عرقلة جهود تسويتها. فبحسب بيانٍ آخرَ صدر عن الخارجيّة الروسيّة البارحة أيضًا، بدا واضحًا أنّ نسبة الارتياب الروسيّ من عمليّة "درع الفرات" ماضيةٌ في الارتفاع باضطرادٍ، ولا سيّما أنّ موسكو عبّرت في البيان عن قلقها البالغ من توغّل القوّات التركيّة وفصائل المعارضة السوريّة المدعومة من أنقرة في عمق الأراضي السوريّة، لافتةً إلى أنّ هذه العمليّات العسكريّة تجري من دون تنسيقٍ مع السلطات السوريّة الشرعيّة أو تفويضٍ من مجلس الأمن الدوليّ، الأمر الذي يضع "سيادة الجمهوريّة العربيّة السوريّة ووحدة أراضيها في خانة الشكّ".
وجاء في البيان أيضًا: "إنّنا ننطلق من أنّ العمليّات التركيّة قد تؤدّي إلى تعقيد الوضع العسكريّ والسياسيّ الصعب في سوريا، بالإضافة إلى تأثيرها السلبيّ المحتمل على الجهود الدوليّة الرامية إلى وضع قاعدةٍ للتسوية السوريّة تضفي طابعًا أكثر استقرارًا على نظام وقف الأعمال القتاليّة، وإيصال المساعدات الإنسانيّة بلا انقطاع، باعتبار أنّ ذلك كلّه يؤسّس لمصالحةٍ متينةٍ وتجاوزِ الأزمة في هذه البلاد".
ولعلّ ما يبدو جليًّا على إيقاع هذا الكلام هو أنّ عمليّة "درع الفرات" التي بدأت في شمال سوريا يوم الرابع والعشرين من شهر آب الماضي، تحت شعار تطهير الحدود التركيّة – السوريّة من أيّ وجودٍ لتنظيم "داعش"، ما زالت تثير شكوكًا حقيقيّةً في موسكو حول أبعادها وغاياتها، ولا سيّما أنّ البيان دعا أنقرة إلى وضع الأهداف الواردة فيه أعلاه نصب عيونها، "قبل التفكير بالأهداف العسكريّة التكتيكيّة الآنيّة"، وكذلك إلى "الامتناع عن أيّ خطواتٍ تزعزع الاستقرار أكثر".
كلامٌ.. إذا ما تراوح ما بين مدّ تشاؤم كارتر وجزْر تفاؤل بوتين أو كيري أو لافروف، فإنّه يعني في المحصّلة النهائيّة أنّ أعلى سقفٍ للتوقّعات بشأن ما يمكن أن يتحقّق في جنيف، اليوم أو غدًا، لن يتجاوز نطاق إمكانيّة تحقيق تقدّمٍ نسبيٍّ للغاية، بينما سيواصل السوريّون تجرّع كؤوس الآخرين المرّة على أراضيهم، اليوم وغدًا.. وحتّى إشعارٍ آخر!
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)