قلناها أكثر من مرّة. وفي كل مرّة كان يقال لنا: لشو هالمبالغة، والدني بألف خير. والبلد ماشي برئيس أو من دون رئيس. لماذا كل هذه السوداوية والتشاؤم والذهاب بعيداً في التحليلات والتنظيرات والمتاهات التي لها أول وليس لها آخر.
نُلام إذا قلنا أن حال البلد اليوم تشبه إلى حدّ كبير "العصفورية" في عزّ ايامها، حتى أن البعض يأخذ علينا عدم رؤية النصف الملآن من الكأس ونكتفي بالتحديق فقط بالنصف الفارغ.
فإذا سلّمنا جدلاً بأن في ما نكتب بعضاً من المبالغة في التشاؤم وتضخيم الأشياء وتصويرها على غير حقيقتها، فما هي حجّة اللائمين عما يحصل اليوم على الساحة السياسية من هرج ومرج، وكأن أوضاعنا في أحسن أحوالها، وكأننا في منأى عن لهيب المنطقة إلى أبد الآبدين، وكأننا نعيش في جزيرة منقطعة عما حولها من مشاكل وحروب؟
ما حصل منذ ايام على طاولة الحوار، وهو في المناسبة اسم لغير مسمّى، ليس بالأمر العادي، بعدما تحّول دور الأطراف المسيحيين من رافعة للحلول إلى "ولادّة" مشاكل وتعقيدات لا يعرف حتى المنجمين كيف السبيل للخروج منها، وكأن لعنة الرئاسة تلاحقهم، اينما ذهبوا وأنّ حلّوا، فتكون ما يسمى "ميثاقية" مشكلة بحدّ ذاتها، بدلاً من أن تكون هي الحلّ لمشاكل لبنان التي لا تعدّ ولا تُحصى.
وقد يكون الكلام الذي قيل على هامش هذه الجدلية العقيمة، ورداً على تشكيك البعض بالبعض الآخر، متهماً إياه بضرب الميثاقية، هو الكلام الرصين والمسؤول، حيث كان تأكيد مقرون بممارسات على الأرض وليس تنظيراً فقط، بأن من تُصّوب في اتجاهه سهام التشكيك أكثر حرصاً على الميثاقية والعيش المشترك من البعض.
فالكلام الموازي الذي قيل ردّاً على حفلة جنون يوم الأثنين، فيه الكثير من الحكمة والوعي لمرحلة تبدو آفاقها صاخبة وغير عقلانية، وهو يعكس نضوجاً سياسياً غير متفلتٍ من عقاله، ولا يعتمد على لغة التجييش والتطييف والتمذهب، بل ينطلق من مسلمات وطنية أصبحت منهجاً لسلوك سياسي قد يكون غير شعبوي وغير "ربيّح" بالمفهوم المتعارف عليه والسائد اليوم على الساحة السياسية، ولكنه موقف مبدئي غير مرتبط بالمتغيرات والمناخات الفصلية.
ما حصل يوم الإثنين، وما سبقه وما سيليه، هو "العصفورية" بحدّ ذاتها، وربما أكثر.
منذ عشرات السنين، ولم تكن الحرب في لبنان قد اندلعت، قيل: سلّحوا المسيحيين وهم كفيلون بتصفية بعضهم البعض، وهذا ما حصل. أما اليوم فيقال: أبقوا الفراغ في الكرسي الرئاسي. إن الموارنة كفيلون بإلغاء بعضهم البعض، وهذا ما هو حاصل. إنها لعنة الكرسي!