أن يحصل متأخراً أفضل مئة مرة من ألا يحصل أبداً. هو اللقاء بين العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع، وهما الزعيمان المسيحيان من بين أربعة أقوياء، وقد يصبحان خمسة متى تسلم النائب سامي الجميل رئاسة حزب الكتائب.
بغض النظر عما تضنه بيان النوايا، والذي استغرق إعداده خمسة أشهر ، وبغض النظر عما دار بين "الجنرال" و"الحكيم" من مداولات على مدى ساعتين من الوقت، يبقى المنظر الذي خرج به الرجلان إلى الإعلام هو اللافت، وبالأخص حين وضع جعجع يده على كتف عون.
مشهد انتظره اللبنانيون، وبالأخص المسيحيون، طويلاً، وهو أن دلّ إلى شيء فإلى ما يمكن ان يعكسه من ايجابيات على الشارعين "العوني" و"القواتي"، وهو شارع لم يكن مرصوفا بالورود، بل بالتراشق والتنافر والحدة إلى حدود العدائية.
فبدلاً من الكلمة الشهيرة لجعجع منذ سنوات "عجاف" طويلة "الجنرال بيمون" وكان ما كان منذ ذاك التاريخ من حال جفاء وتباعد وانقسام داخل الصف المسيحي، شاهدنا بالأمس يد "الحكيم" تتكىء على كتف "الجنرال"، وفي هذه الحميمية الكثير من الدلائل، التي تبشر بمستقبل كفيل بمحو مآسي الماضي، وان كان الرجلان لا يزالان على نقيض في الاستراتيجيات، وهو أمر طبيعي، إذ لم يكن المطلوب منهما التوافق على كل شيء دفعة واحدة، لأن لكل منهما تحالفاته ونظرته السياسية إلى التطورات في المنطقة، ولكنهما متفقان على الأقل على ما يريح الشارع المسيحي في هذه المرحلة المصيرية، حيث الوجود المسيحي مهدد في أكثر من منطقة عربية، وبالأخص في سوريا والعراق.
ان ما تضمنه بيان التفاهم حول رئاسة الجمهورية ومواصفات الرئيس لا يعني ان الرجلين اتفقا في شكل أساسي على إسم الرئيس، وان يكن جعجع قد ألمح إلى امكانية السير بمبادرة عون في ما خصّ الاستفتاء، وهذا يدخل في باب التكتيك السياسي.
انها الخطوة الأولى في مسيرة الألف ميل، وهي تبقى ناقصة ما دامت سدة الرئاسة الأولى شاغرة، وهو المركز المسيحي الأول في المنطقة العربية، وهذا ما أشارت إليه القمة الروحية الإسلامية بالأمس، وفي ذلك دلالات على أهمية هذا المركز في نظر شركاء الوطن الذين يعتبرون وجود مسيحي، وبالتحديد ماروني، على الكرسي الرئاسي ضمانة للجميع ولتوازن الصيغة التي تميز لبنان عن غيره، وللاعتدال في زمن التعصب والآحادية.
("لبنان 24")