يجزم عارفو جبران باسيل ومَن هم في حلقته الضيقة، أنّ خطابه المستجد الشديد التشدد، الذي يرفع عنوان الميثاقية ويهدّد بعصاها العيش المشترك "لأنه لم يعد مقنعاً"، ليس ارتجالياً أو ردّة فعل على آداء الآخرين تجاه "التيار الوطني الحر"، وإنّما هو نتيجة خطّة محدّدة اختارت لها التوقيت المناسب كي تعبّر عن ذاتها.
قد يظنّ البعض أنّ تمسّك القوى السياسية بخيار التمديد لقائد الجيش جان قهوجي على رأس المؤسسة العسكرية، أو رفض رئيس الحكومة تمّام سلام اعتبار حكومته بتراء بعد اعتكاف وزراء "التيار الوطني الحر" و"الطاشناق" وقبلهم استقالة "الكتائب" وقبلهما رفض "القوات" المشاركة في تركيبتها، وعدم احترام ميثاقية الحكومة واعتبارها عاطلة عن العمل بفعل اختلال هذه الميثاقية... هو الذي يدفع "التيار الوطني الحر" إلى مصطلحات "الطلاق السياسي" مع بقية الشركاء، لكن العارفين بحقيقة الأمر لديهم رواية أخرى.
يقول هؤلاء إنّ المسألة أبعد من ردّة فعل عفوية فيها من الغضب من يعبّر عن ثورة برتقالية على سياسة الأمر التي يفرضها الآخرون سواء على طاولة مجلس الوزراء أو في الملف الرئاسي أو حتى في قانون الانتخابات، لأنّها تتصل بما يريده باسيل لحزبه ولموقعه في المعادلة الداخلية.
بالنسبة لهؤلاء إنّ هذا الخطاب "اليمينيّ" لن يغادر مفردات "التيار الوطني الحر" في وقت قريب حتى لو عادت الحكومة الى وضعها السليم، لأنّ الأهداف المرسومة من هذا الخط، أبعد من الأزمة الحكومية.
يقول المطلعون إنّ ثلاثة أهداف محددة سيطالها هذا الخطاب المستجد على أدبيات "التيار الوطني الحر" وهي غير مرتبطة بالظروف الراهنة، وانما بمستويات ثلاث:
- المستوى الأول هي الشأن التنظيمي الداخلي حيث يُراد من هذا الخطاب شدّ عصب الحزب البرتقالي ومنع التشققات الداخلية خصوصاً وأنّ الأزمة التنظيمية لا تزال في بدايتها ولا شيء يوحي أنها قابلة للعلاج، فلا بدّ من التصدي لها من خلال تمتين البيت الداخلي عبر رصّ الخطاب وتعبئة القواعد.
- المستوى الثاني هو الانتخابات النيابية، إذ إنّ قيادة "التيار" تتحضر لوجستياً وتقنياً لمواجهة هذا الاستحقاق خصوصاً اذا عجزت الطبقة السياسية عن فرض التمديد للبرلمان فهي ستكون حكماً أمام سيناريو فتح صناديق الاقتراع، ومن شأن هذا الخطاب، وفق القيادة العونية أن يعيد تماسك القواعد البرتقالية ومن يدورون حولها من شرائح مسيحية أخرى بدت في المرحلة الأخيرة وكأنها على مسافة من "التيار".
- المستوى الثالث وقد يكون الأهم فهو التأسيس لمرحلة ما بعد الجنرال ميشال عون حيث الخشية حاضرة في أذهان كثر من أثمان التفاهم بين الرابية ومعراب ومن أن يلعب سمير جعجع دور "القاشوش" الذي يستعد لوراثة أجزاء كثيرة من الطبق البرتقالي خصوصاً إذا استمرت النزاعات داخل البيت العوني.
وهنا ثمة من يقول إنّ قيادة "التيار الوطني الحر" تذهب في خياراتها السياسية إلى أقصى اليمين كي لا تترك مجالاً لجعجع، والذي يفترض أنّه يمثل أقصى التشدّد المسيحي، كي يضع يده على البقعة المسيحية المؤيدة لـ"التيار".