المأساة التي أوجعت صيدا ولبنان إثر غرق مركب سياحي كان على متنه عددٌ (غير معروف ومحدد حتى الساعة) من الأشخاص، لا تزال قيد المتابعة من مختلف الجهات المعنيّة، لا سيّما وأنها حصدت روح امّ وابنتها، وكادت لولا العناية الإلهية ومسارعة المواطنين والصيادين وفرق الإنقاذ والغوّاصين إلى انتشال الغرقى، أن تتحوّل إلى كارثة حقيقية.
لا يزال صاحب المركب المنكوب وسائقه محتجزين ويخضعان للتحقيق، فيما انتُشل المركب وهو أيضاً قيد الحجز. الحادثة المؤلمة أدّت إلى مقتل راغدة الميس وابنتها هدى، لكنّ نقيب الغواصين المحترفين في لبنان محمد السارجي لا يزال يصلّي كي لا يرتفع عدد الضحايا. فبحسب المعلومات، هناك اشخاص في المستشفى، حالاتهم حرجة جداً.
ويشرح السارجي أن "المركب كان في طريق العودة من الجزيرة (الزيرة) التي تبعد عن المرفأ مسافة 500 متر، وبعد انطلاقه بقليل، غرق بمن فيه".
الرحلات البحرية السياحية ناشطة في صيدا، لا سيّما بعد تحسين أوضاع "الزيرة" وتنظيفها وتحويلها إلى وجهة يقصدها المواطنون للاسترخاء والسباحة وقضاء أوقات ممتعة مع العائلة.
وبجسب السارجي، يستقلّ المواطنون هذه المراكب (وعددها يقارب التسعة) الراسية خارج المرفأ لقاء تسديد مبلغ زهيد (3000 ليرة لبنانية للشخص)، علماً أن بإمكان أي شخص متواجد على الزيرة العودة على متن مركب آخر، مجاناً.
حتى الساعة، لا خلاصة حتمية تؤكد كيفية غرق المركب، إلا أن السارجي يرّجح أن تكون الحمولة الزائدة قد أدّت إلى غرقه، أو أن يكون العدد الأكبر من الركاب قد وقف في مقدمة المركب ما أفقده توازنه. الفرضية الأولى قد تكون أقرب إلى الحقيقة، ذلك أن أشخاصاً كثيرين أقرّوا بأن المركب كان يقلّ عدداً كبيراً من الركاب، يتخطى سعته (15 شخصاً).
لا ينفكّ السارجي يثني على الجهود التي بُذلت فور حصول الحادثة. يقول: "لعلّ عملية الإتقاذ السريعة التي سُجلّت في صيدا تكد تكون الأفضل والأسرع حول العالم. فما إن غرق المركب حتى انطلق الصيادون وأصحاب "الجيت سكي" وفرق الإنقاذ البحري والغوّاصين إلى المكان وبدأوا بانتشال الناس من البحر".
من جهته، غاص السارجي وعدد من الغوّاصين إلى العمق بحثاً عن ضحايا، وقاموا بعملية مسح شامل لمحيط البقعة حيث غرق المركب استمرّت لساعات طويلة. كما تمّ استخراج هواتف الركاب وأغراضهم، وسُلمت الى القوى الامنية.
هذه الحادثة تكاد تكون الأولى من نوعها في صيدا، بحسب السارجي: "من المؤسف حقاً حصول هذه الحادثة ونتمنى ألا تتكرر لا في صيدا ولا في أي مكان آخر. لكنها على رغم مأساويتها، ألقت الضوء على هذا القطاع لناحية السلامة العامة والرقابة".
ومن المعروف أن مفرزة الشواطىء التابعة لقوى الأمن الداخلي، ورئاسات المرافئ التي تخضع لوزارة الأشغال والنقل مناط بها مسؤولية الإشراف على حركة الملاحة البحرية وإجراءات السلامة العامة. وفي الواقع، ثمة تباين واضح بين مرفأ وآخر في لبنان، فمثلاً لا يمكن الإبحار من عمشيت أو جبيل إلا بعد الاستحصال على موافقة من الجيش وتدوين كلّ أسماء الركاب، على عكس العقيبة مثلاً!
بحسب الأصول، يُفترض أن تحصل القوى الأمنية على كلّ المعلومات ومن ضمنها أسماء الركاب وعددهم، قبل الصعود الى المركب، بحسب السارجي. لكن ونظراً الى استحالة اتمام هذه العملية بسرعة بسبب عدد الناس الذين يرغبون بالقيام بجولات سياحية بحرية، تمّ التغاضي عن الأمر.
اليوم، لا مراكب سياحية للنزهة تُبحر من مرفأ صيدا، التزاماً بقرار صارم أصدره رئيس بلدية صيدا، بانتظار وضع شروط جديدة تراعي السلامة العامة.
ويشرح السارجي أن هذه الشروط التي يتمّ التباحث فها مع مختلف المعنيين (وزارة النقل والبلدية والقوى الأمنية وفرق الإنقاذ ونقابة الغوّاصين)، تشمل بالاضافة الى الالتزام بعدد محدد من الركاب وتزويدهم سترات نجاة، تعيين موّظف في المرفأ من قبل وزارة النقل يقوم بتدوين أسماء الركاب وإحصاء عددهم والإشراف التامّ على كلّ الأمور، وموّظف آخر يتواجد على "الزيرة".
ومن ضمن معايير السلامة العامة، أن يكون الربان حائز شهادة قيادة مركب وخاضع لدورات إسعاف وسباحة، وأن يرافقه مساعد طوال الرحلة. ويجب أن يكون المركب مجهز بعبوات إطفاء الحريق، سترات نجاة، جهاز للاتصال في حال الطوارئ، كما يُمنع إضافة الكراسي البلاستيكية.
هذه الإجراءات برأيه، يجب أن تُعممّ لتشمل مختلف المرافئ في لبنان، تلافياً لحصول مأساة جديدة.
فهل من يتعّظ؟