على رغم محاولات اللاعب الأميركي الرجوع خطوة واحدة الى الوراء مع كل خطوتين يتقدم بها "الدب الروسي" في المستنقع السوري، إلا انه فاته "أن قطار الرجعة قد فاته" وفقد حقه حتى في الرجوع بالتزاماته الى الوراء، خاصة انه اختار عبور المستنقع السوري محمولاً على ظهر الدب الروسي بدلا من عبوره المستنقع مباشرة، معوّلًا على مزيد من "الفضل" الروسي الذي سبق وأنعم به عليه طيلة مسيرة الاتفاق النووي وحتى تاريخه. وبذلك وضع الدب الروسي اللاعب الأميركي أمام خيارين: فإما التزام الصمت حتى الوصول به الى شط الأمان السوري الذي يخدم مصالحها المرسومة، وإما رميه وحيداً في وسط المستنقع، مع ما يستتبع ذلك من رميه لالتزامات أخرى في ملفات أخرى في المنطقة قد تكون أكثر خطورة.
ودلالات ذلك تجلت في العصا الروسية الغليظة التي بدأت بها موسكو بنعر "واشنطن" في عدد من نقاط ضعفها، من بينها العلاقة مع المملكة العربية السعودية حيث تبين للملكة "أن صواريخ سام باتريوت الأميركية لم تظهر القدرات التي كانت تتوقعها الرياض منها، حيث تعرضت الاخيرة لهجمات صاروخية من الحوثيين في اليمن، الامر الذي جعل الرياض غير ممانعة لاستبدال هذه الأنظمة الدفاعية". وجهة النظر السعودية تلك اعتبرتها روسيا وفقا للخبير في معهد الشرق الأوسط والمجلس الروسي للعلاقات الدولية سيرجي بالماسوف هي تلميح سعودي للولايات المتحدة في ضوء أنها تلعب في المستنقع السوري مما يشكل فرصة جيدة لموسكو لتوجيه ضربة قاسية لواشنطن من خلال جذب الرياض الى صفها.
قد لا تكون المملكة الورقة الوحيدة التي تستخدمها موسكو في وجه واشنطن. فاتفاق الهدنة الأميركي - الروسي في سوريا، وما انطوى عليه من بنود سرية لم يجر الإفصاح عنها على رغم تسريب بعضها، تشير الى الحساسية التي تحملها تلك البنود تجاه الحلفاء قبل الخصوم وتحديداً حلفاء واشنطن، خاصة انه وفق ما جرى تسريبه عبر وسائل الاعلام من مواقف وتصريحات حول مضمون الاتفاق يؤشر الى تمكّن روسيا من اخراج "معضلة" رأس النظام وحلفائه وعلى رأسهم "حزب الله" من خطر "منشار التسوية"، لايّة بذلك الذراع الأميركي، ومنتزعة اتفاق هدنة على صورة ومثال الخارطة التي رسمتها لمسار الحل السوري ومتفرعاته في المنطقة. والدليل على ذلك تسريبات دبلوماسية لمسؤولين كبار في الخارجية الأميركية، في إطار رد واشنطن على الطلبات التي أرادت ادراج ميليشيات شيعية ضمن قائمة الفصائل التي تستهدفها الطائرات الأميركية والروسية، حيث اعتبرت انه "سبق واتخذت إجراءات ضد "حزب الله" في مرات سابقة، ولكن جوهر الاتفاق الحالي يركز على منع النظام من استهداف المدنيين وجعل فصائل المعارضة تبتعد عن فتح الشام".
الإقامة الآمنة
ولكن هل هذه الكفالة الروسية التي منحت "حزب الله " إقامة آمنة له في سوريا هي كفالة "مفتوحة" ام "مؤقتة"، وهل ان "منشار التسوية" أنهى مرحلة "الذهاب" وان لـ" الإياب" حديثاً آخر؟!
ان الإجابة عن هذا السؤال يوجب النظر الى "المايسترو" السياسي لـ"حزب الله" في لبنان و"السينفونية" التي يصدرها حلفاؤه في هذه المرحلة وكيفية تعاطيه معها، والتي يبدو انها تأخذ منحىً تصعيدياً وصل صداه الى الخارج، فجاء الرد على شكل "نصيحة" دبلوماسية أميركية - روسية نقلتها مصادر وزارية الى صحيفة "النهار" مؤخرا، أٌبلغ فيها العماد عون عبر شخصية قريبة منه "ضرورة عدم الذهاب بعيداً في التصعيد خشية ان يتحول لبنان مركز استقطاب في وقت تنصرف الجهود الى ترسيخ الهدنة في سوريا". بالطبع فإن ما تحمله هذه النصيحة في مضمونها هو أخطر بكثير مما يحمله ظاهرها. فهي وإن لٌطّفت بعبارة دبلوماسية جاءت على شكل "نصيحة" إلا أنها أخفت تحذيراً خطيراً من مغبة التهور والقيام بخطوات "صبيانية" لا تنسجم مع ما يرسم لوحه المنطقة انطلاقاً من الحل في سوريا، والتي لم يعد في الإمكان فصل مسار الحل اللبناني عن مسار الحل فيها، والمؤشرات على ذلك نلخصها فيما يلي:
- توجه واشنطن وموسكو الى الجنرال عون وليس "حزب الله" بالتزام الهدوء وعدم التصعيد، يشير الى انتشال مفتاح قصر بعبدا من جيب "حزب الله"، خاصة انه لم يعد قادرًا على ضبط قفل بابه كالسابق وتحول " التيار الوطني الحر" الى عبء عليه ولاسيما مع وجود الكفالة الروسية التي منحته إياه بموجب اتفاق الهدنة الأخير، حيث اصبح لزاماً عليه التزام "حبل الصمت" تجاه الحلفاء أولاً باعتباره طوَّق النجاة الوحيد الذي لا بد من استخدامه في هذه المرحلة.
- طبخة الاستحقاق الرئاسي في لبنان لم تنضج بعد، ووجه رئيس الجمهورية يبدو انه لن يكون مسيحياً سياسياً بمفهوم المسيحية السياسية التي تسعى إلى تغليب مصلحة الطائفة على مصلحة الوطن، كما لن يكون خصماً لدوداً للإسلام السياسي الذي يجري بلورة صورته حالياً كنموذج دولي ناجح، كما لن يكون أيضاً على صورة ومثال مسيحيي 8 آذار، ولا على صورة ومثال مسيحيي 14 آذار، باعتبار ان لبنان اليوم هو"مسيحيين شيعة" و"مسيحيين سنّة" والمرحلة تقتضي التفتيش عن "رئيس توافقي" على حد تعبير نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، الذي جاء في تقرير نظمه سفير لبنان في روسيا شوقي بو نصار، ونقله الى وزارة الخارجية الذي تناول فيه محضر اللقاء الذي جمعه ببوغدانوف في حزيران العام 2015.
- فك الارتباط المسيحي عن الطرفين السني والشيعي والدفع بالطرفين، أي المكونين المسيحي والمسلم بكافة مكوناتهما المذهبية وتوجهاتهما السياسية، نحو الانخراط في صيغة تضبط إيقاع الطرفين وحراكهما، بحيث لا عودة الى المارونية السياسية ولا الإنخراط في السنية السياسية ولا رضوخاً للشيعيّة السياسية وإنما تعايش بحكم الميثاق، تصونه المؤسسات الدستورية القائمة، وعلى رأسها المؤسسات الأمنية والعسكرية التي يبدو أنها ستحظى بدعم واهتمام دولي كبير في المرحلة المقبلة تحت عنوان مواجهة الارهاب وفي مواكبة لمسار التسوية السورية ولاسيما المرحلة الانتقالية منها.
اذاً يبدو أن ملف الاستحقاق الرئاسي في مراحله الاخيرة من "المد والجزر" وبورصة أسهم الرئيس التوافقي عادت للارتفاع في ظل التسريبات عن حراك داخلي تقوم به بعض قيادات تيار "المستقبل"، والتي تتمحور حول البحث عن مخرج للازمة الرئاسية من خلال تسمية شخصية توافقية ثالثة للرئاسة، في المقابل حراك خارجي تمثل في تسلل قطري- تركي الى الملف الرئاسي عبر الدفع بالرئيس الفلسطيني محمود عباس "ابومازن" لتوجيه رسالة الى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وفق ما كشفته وثائق حصلت عليها مؤخراً احدى المواقع الالكترونية، وتضمنت الرسالة "ضرورة التحرك بشكل جاد مع ايران وسوريا للتوافق على رئيس وسطي في لبنان مقبول تقريباً من الجميع وداعماً لمصالح الجميع هو السيد جان عبيد"، واعداً بالتمكن من الاستحصال على ضمانات من جان عبيد "تضمن مصالح الأطراف في لبنان وخاصة العماد عون" ، مشيراً الى "بذله مساعي مع ايران وسوريا و"حزب الله" الذين أبلغوه ان هذا شأن داخلي لبناني، وهم ليسوا ضد جان عبيد في حال تنازل عون عن ترشحه"، كما أشار الى اللقاء الذي جمع بوغدانوف بعبيد في باريس حيث وجده شخصاً مناسباً.
قد تكون الدلالات على تورط الأصابع التركية والقطرية قليلة في هذا الملف إلّا ان المؤشرات الاخيرة في الملف الفلسطيني تشير الى أن اللجنة الرباعية التي شٌكلت مؤخراً لوحدة الصف الفلسطيني قبل إتمام عملية السلام الشامل والتي تألفت من مصر والسعودية والإمارات والأردن، قُبلت برفض "أبو مازن" لها حيث أشيرت أصابع الاتهام وراء رفضه باتجاه تركيا وقطر الذي لم يخف ابو مازن سعيه الدؤوب لارضائهما وبأية وسيلة سيما وأنهما يتوليان تمويل فلسطين بعد وقف كل من مصر والأردن التمويل.