بعد مفاوضات متقطعة جرت خلال الأشهر الماضية بين وزيري خارجية أميركا وروسيا جون كيري وسيرغي لافروف، توّصل الطرفان أخيراً إلى اتفاق هدنة في سوريا، "يسمح بإقامة تنسيق فعال لمكافحة الإرهاب، وبتعزيز وقف إطلاق النار". دخلت هذه الهدنة حيّز التنفيذ مطلع أيام عيد الأضحى (الاثنين 11 أيلول)، ونالت قسطاً وفيراً من "التشريح" على أيدي المحللين والمتابعين والمراقبين الذين خلصوا إلى تصوّرات وتوقعات متباينة بشأنها.
بعد أسبوع على سريان "الخطّة"، وعشية المرحلة الثانية المفترضة، قصفت طائرات تابعة للتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة موقعاً تابعاً للجيش السوري في جبل ثردة قرب مطار دير الزور العسكري، أدّى إلى سقوط أكثر من 100 عسكري بين قتيل وجريح. وفيما سارعت الإدارة الأميركية إلى التوضيح بأن "الهجوم حصل عن طريق الخطأ"، حذرت موسكو من أنه سيؤدي إلى نسف "التفاهم". كذلك فعلت المعارضة السورية التي رأت أن هذه الضربة ستشكل سبباً إضافياً لإعلان فشل الهدنة المترنحة أساساَ، في وقت صرّحت مستشارة الأسد بأن "الغارات مقصودة...إلا أن بلادها ستلتزم بالهدنة"!
فهل سقط "الاتفاق" بالضربة "الجويّة" القاضية، أم اقتصرت الأضرار على بعض الشظايا؟
لا يحبذ الكاتب والمحلل السياسي سام منسى تسمية "الهدنة" بـ "الاتفاق"، فيقول في حديث لـ "لبنان24" أنه "لم يكن من اتفاق حقيقي بين الجانبين الروسي والأميركي، بل تفاهمات غير واضحة".
يستند منسى إلى أكثر من معطى لتعزيز هذا التوصيف: "الجانب الأميركي يصرّ على إبقاء بنود الخطّة سريّة متذرعاً بحجج أمنية، على عكس الروسيّ الذي يريد كشفها. الروس يعرفون ماذا يريدون، فسياستهم الخارجية واضحة في الشأن السوريّ، لكن هل حقاً من رؤية أميركية واضحة وحاسمة حيال الأزمة السورية؟"
بطبيعة الحال، ليس خافياً على أحد التباين في السياسة الخارجية داخل الولايات المتحدة. يقول منسى: "وزير الدفاع الأميركي اشتون كارتر ليس راضياً تماماً عن صيغة الاتفاق، ولا سيّما في ما يتعلق بضرب الجماعات الإرهابية، اذ ثمة مناطق "مختلطة" تسيطر عليها القوى المعارضة وبعض الجماعات الارهابية ما يعقد الأمور أكثر ويشلّ القدرة على تفكيك "قطعة الرخام" هذه".
واذا كانت وزارة الدفاع والاستخبارات الأميركية لا تتشارك والبيت الأبيض الرؤية نفسها، فإن الإدارة الأميركية الحالية المتراخية السياسة والمواقف منذ بدء الحرب في سوريا، لا يهمها اليوم إلا وقف اطلاق النار ونزيف الدم قبل رحيلها، بحسب منسى. لم تتمكن إدارة أوباما من الاطاحة بالأسد ولا من "ابتداع" حلّ سياسيّ لأنها اصلاً لم تكن ترغب بالإنجرار إلى الحرب السورية، ولأنها حرصت على عدم التصادم مع الجانب الايراني حفاظاً على الاتفاق النووي، وهو الإنجاز الوحيد في الشرق الأوسط الذي أحرزته طوال عهدها.
يدرك "القيصر" هذا الأمر، لكن هل له أن يرفض وضع يده بيد "الخصم" الأميركي؟ طبعاً لا، لأنه مدرك تماماً أن القضاء على جبهة "فتح الشام" (جبهة "النصرة" سابقاً) و"داعش" وبقية الفصائل الإرهابية سوف يقويّ النظام السوريّ ويحسّن مواقعه ويحصنها، يقرّ منسى.
أمام هذا الواقع المتمثل بتصميم روسيّ – سوريّ واضح مقابل ضبابية أميركية في السياسة الخارجية تجاه سوريا وتركيز على وداع البيت الأبيض بـ"انجاز" وقف آلة القتل والدمار فقط لا غير، يتوقع منسى ان يتخطى الطرفان عاصفة هجوم جبل ثردة، ويتباحثان مجددا في "صيغة" من شأنها المضي في تطبيق "الاتفاق"، الى حين انهياره مجدداً في المستقبل!
فالهجوم ان حصل فعلاً عن طريق الخطأ، فإنما يدلّ بوضوح على نقص في التنسيق بين القوات الروسية والأميركية نتيجة انعدام الثقة. ويشدد منسى على أن "أي خطة لا تتضمن رؤية سياسية واضحة حول مستقبل سوريا وتفضي الى حلّ سياسي، سيكون مصيرها الانهيار".
وعليه، سيبقى العنف في سوريا متأججاً، يتوقع منسى قائلاً: "حتى تاريخ تسلّم الإدارة الأميركية الجديدة مهامها في 20 كانون الثاني، لا تغييرات ملحوظة في المشهد السوريّ. كلّ الأمل أن يعدّل سيّد (ة) البيت الأبيض المقبل (ة) من السياسة الخارجية الأميركية فتصبح أكثر حزماً وتشدداً وتخلق توازن قوى قد يؤدي الى مفاوضات وحلّ سياسيّ"!
ماذا عن لبنان، وهل ينعكس الاتفاق الروسي الأميركي سلباً أم ايجاباً على الملف الرئاسي؟ يبتسم منسى متحسراً، متأسفاً، ساخراً: "هذا في المخيّلة اللبنانية...."