يكثر الحديث هذه الأيام عن "الميثاقية"، التي يعتبرها الوزير جبران باسيل في شكل خاص غير مؤّمنة على مستوى السلطة التنفيذية، بمجرد أن وزيري "التيار الوطني الحر" لا يشاركان في جلساتها، إعتراضًا على التعيينات العسكرية، التي يصفها بأنها مخالفة للقانون.
وهذا الجدل، الذي يعتبره البعض عقيمًا وفي غير محّله، أدّى إلى دفع الرئيس نبيه بري إلى إقفال أبواب عين التينة، أمام المتحاورين، من مختلف مكونات البلد ونسيجه السياسي والطائفي والمناطقي، وهم وإن لم يتوصلوا إلى قرارات ناجزة ونافذة، فهم على الأقل يجلسون جنبًا إلى جنب إلى طاولة تتلاقى فيه العيون، ويتمً من خلالها تبادل الآراء، وهو أمر يُعتبر إنجازًا بحدّ ذاته، في ظل الظروف الإقليمية الشديدة السواد.
فلو كان الحديث عن "الميثاقية" معلًلا أقله من قبل الوزير باسيل وله مبرراته الموضعية، والتي لها علاقة بالمناخ العام الذي لا يزال يقف حائًلا دون تمكين العماد ميشال عون من الوصول إلى قصر بعبدا، فإن البعض الآخر، وهم من أصحاب نظرية أن "الميثاقية" الصحيحة وغير المرتبطة بمصالح آنية مؤّمنة على أفضل وجه، يرون أن هذه "الميثاقية" ليست وجهة نظر بقدر ما هي ممارسة فعلية وواقعية، تكون ترجمتها العملية في إقتناع الجميع من دون استثناء بالنزول إلى ساحة النجمة وانتخاب رئيس للجمهورية، الذي يكّرس برمزيته وموقعه المتقدم هذه "الميثاقية" بأبهى صورها الحضارية.
وفي رأي هؤلاء فإن من يضرب هذه "الميثاقية" في الصميم هم اولئك الذين يستمّرون منذ ما يقارب السنتين والنصف في تعطيل جلسات الإنتخاب، وذلك بعدم حضورهم وتأمين نصابها القانوني، بما ينسجم مع أبسط القواعد الديمقراطية، التي لا يزال البعض يتغنى بها، مع التذكير بقول مأثور للرئيس الدكتور سليم الحص، أطال الله بعمره، وهو أن في لبنان الكثير من الحرية والقليل من الممارسة الديمقراطية.
فإذا كان هؤلاء، ودائمًا وفق نظرية توازن "الميثاقية، حريصين عليها بما ينسجم والجو العام السائد في البلد، فما عليهم سوى تسهيل إنتخاب رئيس للجمهورية، وأن يكونوا مشاركين في إيصال الشخص المناسب وفي هذا الظرف الدقيق والخطير، الذي يعيشه لبنان وسط هذا الأتون من الحروب المحيطة به، وأن يكونوا في مقدمة داعميه، بحيث يصبح بفعل الإجماع اللبناني عليه رئيسًا قويًا، يعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي، لأن الإستمرار في سياسة التعطيل سيقود إلى إضعاف الجميع، وإلى إضعاف ما تبقى من نقاط قوة في مفاصل الوطن.