الكل متفق على أنّ سعد الحريري يريد تسوية رئاسية تملأ الشغور في القصر الجمهوري وتحمله الى السراي الحكومية، لعل بذلك يستعيد بعض النفوذ الضائع. يريدها حيّة لا ميتة. لا أحد يجادل في هذه الفرضية التي صارت واضحة كعين الشمس. الرجل مأزوم ومحشور ومربك ومُستهدف من "بني جلده"، ولا بدّ من منقذ.
هكذا، مدّ يديه الى ميشال عون، وفتح قبلها ذراعيه لسليمان فرنجية. لم يعد يكترث للأسماء والرتب والتصنيفات السياسية. المهم انتخاب رئيس بأي طريقة ممكنة. لم يعد يهتم لمن يرشقه بحجارة التنازلات، لأنّ ما يتكبده من أثمان في السياسة، يجعله يتخطى تلك العقبات. ويعيد مرة واثنين كرّة المحاولة مع الجنرال، علّها "تنقش" ويصير ما كان مستحيلاً، معقولاً ومقبولاً.
بهذا المعنى، تُفهم المعالة القائمة راهناً في بيت الوسط: كتلة "المستقبل" النيابية تجاهر علانية بتبنيها لمبادرة ترشيح القطب الزغرتاوي بعد تأكيدها، ردّاً على تشكيكات ذوي القربى، أنها لا تزال تحت عباءة سعد الحريري. وفي المقابل، لم يقفل زعيم "تيار المستقبل" الباب أمام ميشال عون. صحيح أنّ المشاورات لم تفض الى اتفاق كما فسّرها بعض العونيين، لكن ثمة خيطاً رفيعاً لا يزال قائماً، يترك كل الاحتمالات متاحة.
هكذا يجزم عارفو الرجل. إذاً، الخطان شغّالان. ويمكن لأي منهما أن يقفز الى الواجهة إذا تحسّنت حظوظه وانتقل من النظري الى العلمي.
واذا كان ترشيح فرنجية، وفق مؤيديه يحظى بهامش أوسع محلياً واقليمياً، فإنّ المحيطين برئيس الحكومة يعتقدون أنّ ترشيح الجنرال، على أحقيته كونه الأكثر تمثيلاً مسيحياً ويحظى بغطاء مسيحي اضافي وتأييد "حزب الله"، إلا أنّ دونه عقبتان أساسيتان:
- أولاً، تفتقد هذه التسوية لغطاء اقليمي لا يزال حتى اللحظة مفقوداً، بمعنى أنّ السعودية الموصوفة راهناً بأنها غير مبالية بالملف اللبناني، يمكن لها أن تعطي ولو اشارة ضوئية خافتة من شأنها أن تشجع الحريري على المضي قدماً في مشروعه. ولو أن الرجل متيّقن أن بمقدوره وضع يده بيدي الجنرال لاتمام الاتفاق الرئاسي لما تردّد لحظة، لكنه يعرف تماماً أن تسوية من هذا النوع لا تزال غير مرغوب بها لاعتبارات اقليمية، والبعض يقول إنها متصلة بشخص العماد عون نفسه. ولهذا يصعب سحبها من فم الديوان الملكي.
- ثانياً، تفتقد هذه التسوية للغطاء المحلي الواسع، أو تفاهم الحدّ الأدنى. اذ يقول المحيطون بالحريري إنّه يكفي أن يكون الرئيس نبيه بري ميالاً الى ترشيح زعيم تيار المردة، وأن يكون وليد جنبلاط في هذا المناخ أيضاً، حتى لو لم يعلنها، فهذه المعادلة تدفع برئيس "المستقبل" الى العدّ للعشرة قبل الإقدام على أي خطوة، خصوصأً اذا لم يتمكن من اقتناص التأييد الإقليمي..
وبرأي هؤلاء، لا بدّ لأي تسوية تحصل، ان تكون محصنة بغطاء اقليمي، وهو شرط يعجز اللبنانيون عن تخطيه، أو بتفاهم محلي واسع، لا يزال حتى اللحظة غير متوفر. فكيف يمكن للحريري أن يقفز في المجهول؟