تطورات أمنية متسارعة في لبنان، من معارك دوحة عرمون الى التحضيرات لعمليات ارهابية في الجنوب وجبل لبنان أجهضتها مخابرات الجيش بعد أن ألقت القبض على أمير "داعش" في مخيم مخيم عين الحلوة مطلع هذا الأسبوع، تعيد الى الخط الأمامي مسألة الاستقرار الأمني على الساحة اللبنانية وارتدادات أحداث من هذا النوع، متفرّقة كانت أم مركّزة، على الداخل السياسي في البلاد.
اذ ممّا لاشكّ فيه أنّ هذه التطورات، إن استمرّت وازدادت في الأشهر المقبلة، ولو بقيت مضبوطة الى حدّ ما، سوف ترفع علامات استفهام عديدة حول امكانية اجراء الانتخابات النيابية المقبلة في جوّ أمني مشوّش، خصوصا اذا واكب هذه التطورات إرباكاً سياسياً حيال قانون الانتخابات النيابية.
فوضى وفلتان أمني
ومقابل هذه التطورات الأمنية، لا جديد على الساحة السياسية، خصوصا في موضوع الرئاسة الأولى حيث لا مؤشّر يبشّر بحصول هذا الاستحقاق في المستقبل القريب محرّكاً معه العجلة المعطّلة للحياة السياسية كافة. والواضح أن لا قرار دولياً بالضغط على جهات المنطقة المعنية بقرار الرئاسة اللبنانية، أي على السعودية وايران، لإيجاد حلّ على مستوى الرئاسة الشاغرة. واذ تبقى المظلّة الدولية للاستقرار في لبنان قائمة ومدعومة من الدول الكبرى، إلا أنّ جهات سياسية عديدة تتوقّع أن يهيمن نوع من الفلتان الأمني في فترة ما قبل الانتخابات النيابية، قد تؤدّي الى "تطيير"هذا الاستحقاق وتأجيله، والى خلق جوّ ضاغط باتجاه الذهاب الى إصلاحات في الجملة تعيد الى السياسة حياتها والى البلاد نمطاً سياسياً طبيعياً يؤمّن بدوره الاستقرار المنشود في المرحلة المقبلة.
والمعلوم في تاريخ لبنان المعاصر، أنّه غالباً ما ارتبطت مسألة الشغور الرئاسي بإصلاحات وتغييرات جذرية أتت نتيجة هذا الفراغ أو بالأحرى نتيجة الفوضى التي أدّى اليها، فكان الطائف حصيلة شغور رئاسي تزامن مع أحداث دامية أواخر الثمانينات، ولمساعد وزير الخارجية الأميركي للأمور الشرق أوسطية آنذاك ريتشارد مورفي مقولته الشهيرة: ميخايل الضاهر رئيساً للجمهورية أو الفوضى، والتي ردّ عليها الرئيس حافظ الأسد بالقول: الضاهر أو الإصلاحات، وإذا باتفاق الطائف يقرّ بعدها بعدة سنوات. كذلك، جاء اجتماع الدوحة الذي أدّى بدوره الى بعض التعديلات في النصوص إبان الشغور الذي تلا عهد الرئيس إميل لحود. وفي كلتا الحالتين، جاء الانتخاب الرئاسي بعد الإصلاحات والمؤتمرات وليس قبلها.
فهل يكون فراغ اليوم وشبه الفوضى في البلاد مدخلا للإصلاحات المرتقبة قبل انتخاب رئيس للجمهورية، وهل يحبّذ الغرب اجراء هكذا إصلاحات، ما يجعله غير مستعجل لإنهاء الوضع الشاذ في لبنان رغم سعيه لإبقاء اللعبة الأمنية تحت السيطرة، والمعلوم أنّ هذه اللعبة تتأثر بشكل مباشرة أو غير مباشر بالوضع السياسي؟ ولماذا تجازف بلاد الغرب بالاستقرار الأمني، أو لماذا لا تحاول تدارك تداعيات الأزمة السياسية على الأمن بالمساعدة على الحدّ من ضررها عبر تفعيل مؤسسات الدولة بدءاً من انتخاب رئيس للجمهورية، فتضغط على المعنيين الإقليميين واللبنانيين لتنفيذ هذه المهمّة؟
إصلاحات ضرورية
واذ تقول بعض الجهات السياسية إنّ المجتمع الدولي قد بات على قناعة أنّ الإصلاحات قد أصبحت ضرورية، وهو بالتالي لا يمانع اجراءها تحت ضغط بعض الحوادث الأمنية المتفرقة، ثمة رأي آخر يرى أنّ الجواب المباشر على هذه الأسئلة في مكان آخر، وتحديدا في بعض المواقف التي أطلقها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في الآونة الأخيرة، والتي قد تكون دول الغرب قد بنت عليها قرارها بعدم التدخل لاستعجال مجرى التطورات السياسية في لبنان.
فقد أكّد نصرالله في أحد خطاباته الأخيرة أنّ مرشّح الحزب للرئاسة هو الجنرال ميشال عون دون سواه، ما أقفل الباب نهائيا أمام أي مرشّح آخر للمنصب، بما فيهم النائب سليمان فرنجية. ثمّ عاد الأمين العام ليؤكّد على انفتاح الحزب على رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري رئيساً للحكومة في معادلة توصل عون الى قصر بعبدا والحريري الى السرايا الكبير. وأخيرا، حسم نصرالله خيار الحزب ومعه قرار الطائفة الشيعية بكاملها في ما يختصّ برئاسة المجلس النيابي في المرحلة القادمة، لاغيا مسبقا أي خيار آخر، عندما أكّد أنّ مرشح "حزب الله" الوحيد والأوحد للرئاسة الثانية هو الرئيس نبيه برّي.
وبالتالي، ونظرا لما لحزب الله من نفوذ ووزن سياسي في البلاد وقدرة على توجيه سير الأمور، ترى الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة أنّ نصرالله قد سمّى بأقواله هذه الرؤساء الثلاثة في البلاد دفعة واحدة بدءاً بعون، وفي ذلك تحدٍّ لن تقبل به واشنطن، ما يفسّر تلكّؤ الغرب على القيام بأي خطوة حاسمة في اتجاه الرئاسة الأولى، لا رفضا لعون نفسه، بل لأنّ هذه المسألة تشكّل فاتحة للأمور الأخرى، ومن الصعب تقبّل أي حلّ اذا أتت جميع مكوّناته عن طريق "حزب الله".