ما سمعه بعض القيادات المسيحية الآتون من الخارج بعد لقائهم عددًا من المسؤولين الأميركيين من كلام حول وضع المسيحيين في لبنان فيه الكثير من الأسباب التي تحضّهم على إعادة النظر بكثير من الطروحات المعتمدة في الظرف الراهن وسط ما تشهده المنطقة من متغييرات قد تعيد رسم خارطة الشرق الأوسط.
والكلام الذي ينقله هؤلاء عن الاميركيين، على رغم ما فيه من رؤية صادمة للواقع المسيحي، عكس بعضًا من خشية على المستقبل المسيحي في المنطقة. ويشبّه هؤلاء الوضع المسيحي بالقمع، فيقولون استنادًا إلى دراسات وإحصاءات أن الوجود المسيحي في لبنان كان منذ خمسين سنة في أعلى درجات حضوره، وقد بدأ هذا الوجود بالتقلص تدريجيًا حتى وصل في التسعينات إلى واقع مؤلم حدا ، وذلك بفعل عدة عوامل، ومنها عدم توفير ما يضمن مستقبل مستقر لجيل الشباب الذي يستنكف عن الإقبال على التزاوج، وفي حال إقدامه على هكذا قرار يكون التكاثر محدودًا، إذ يكتفي معظم هؤلاء بإنجاب ولد أو أثنين على الأكثر، فضًلا عما تشّكله الهجرة من عنصر جذب لمعظم الشباب الذين تضيق أمامهم فرص العمل في بلادهم.
ويحمّل هؤلاء مسؤولية ما آل إليه الوضع المسيحي إلى القيادات الروحية والسياسية، وبالأخص إلى ما يترافق الإنتخابات الرئاسية من خلافات يعتبرونها في غير موقعها الطبيعي، وهي أدّت إلى مزيد من التشرذم والتضعضع وتشتيت الطاقات في غير محلها، وذلك بسبب إنعدام الرؤية الواضحة للمستقبل، الذي يصفونه بالقاتم، في حال الإستمرار في سياسة التناتش القائم على المصالح الشخصية.
ولا يتوانى هؤلاء بتذكير القيادات المسيحية بأنه في خلال مرحلة من مراحل إثبات الوجود استطاع المسيحيون أن يغيرّوا مشاريع كبيرة كانت تُعدّ لهم خارج الوطن الصغير، وكيف توصلوا إلى استقطاب الإهتمام العالمي بقضيتهم يوم قرروا أن يكونوا في قلب المعادلات الدولية والإقليمية، بعكس ما هو حاصل اليوم، بعدما تحوّل المسيحيون من رقم صعب ولاعب اساسي في التوازنات إلى لعب دور ثانوي وهامشي، ما جعل بوصلة الإهتمام الدولي تتحرك في إتجاهات معاكسة، وهذا ما يُترجم في أغلب الأحيان في عدم إبداء بعض الحماسة من قبل من يُفترض بهم دعم المشاريع التي تشجع القيادات المسيحية على الإنخراط في مخطط تقوية المؤسسات الدستورية، التي تبقى الملاذ الآمن لجميع اللبنانيين، ومن بينهم المكّون المسيحي.
وفي رأي هؤلاء أن توافق القيادات المسيحية على شخص مقبول من الجميع لتولي منصب رئاسة الجمهورية هو الخطوة الأولى على طريق إستعادة المبادرة، خصوصًا أن الكرة هي في الوقت الحاضر في الملعب المسيحي، بعد الكلام المتنامي عما يُحكى عن سّلة من التوافقات تسبق أي توافق على المرحلة المقبلة، مع ما تفرضه الواقعية السياسية من التعامل معها بكثير من الحكمة والتجرد والتضامن.
ولأن التشرذم هو السمة الغالبة في الساحة المسيحية لا يتوانى بعض من همّ في دائرة القرار الأميركي، والذين لا يزالون يعلقون أهمية خاصة على العنصر المسيحي لتأمين الإستقرار في بقعة جغرافية مفتوحة على شتى الإحتمالات الدراماتيكية.