يخطىء من يظنّ أنّ الدخول في مرحلة "كسر العظم" بين المتحاربين المحلّيّين على الجبهات المشتعلة في محيط مدينة حلب المنكوبة يمكن أن يؤدّي في هذه الأيّام إلى حسم الموقف العسكريّ لصالح طرفٍ من أطراف "اللعبة السوريّة" ضدّ الطرف الآخر، وذلك لمجرّد سببٍ بسيطٍ يتمثّل في أنّ اللاعبيْن الدوليّيْن، أي الولايات المتّحدة وروسيا، شأنهُما شأنُ مقاولي سياساتهما الإقليميّين من المحيط إلى الخليج، أوشكوا جميعًا على الدخول في متاهة الاحتمالات الصعبة، ولا سيّما أنّ جنونهم المسعور الذي تجلّت نزعاته التهوّريّة في ميادين القتال خلال اليومين الماضيين، لم يعد أكثر أو أقلّ من مؤشّرٍ مرعبٍ على أنّ العلاقاتِ الروسيّةَ – الأميركيّةَ دخلت لتوّها في عنقِ زجاجةٍ تكاد أن تنفجر، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ حدّةَ التراشقِ الكلاميِّ والاتّهاماتِ المتبادَلةِ بين الجانبين لم يسبق لارتفاعِ حدّتِها مثيلٌ منذ انتهاء الحرب الباردة، قياسًا بما كان عليه الحال خلال جلسة مجلس الأمن الدوليّ أوّل من أمس الأحد في مقرّ منظّمة الأمم المتّحدة في نيويورك.
وسط هذه الأجواء الملبّدة، بدأت بعض التسريبات بالتحدّث عن إمكانيّة اللجوء إلى سيناريوهاتٍ جديدةٍ لم يتمّ استخدامها من قبل، على غرار ما نقلته وكالة "رويترز" نهار أمس الاثنين عن لسان عددٍ من المسؤولين الأميركيّين الذين لم يستبعدوا أن يؤدّي انهيار اتفاق وقف إطلاق النار في سوريا إلى قيام دول الخليج العربيّة بتسليح المعارضة السوريّة بصواريخَ مضادّةٍ للطائرات محمولةٍ على الكتف، مؤكّدين على أنّ إحدى عواقب الفشل الديبلوماسيّ الأخير قد تكون ناجمةً في الأصل عن زيادة دول الخليج العربيّة أو تركيا إمداداتِ الأسلحة لفصائل المعارضة السوريّة المسلّحة.
وبحسب ما نقلته الوكالة عن مسؤول أميركيّ اشترط عدم الكشف عن اسمه، فإنّ واشنطن حالت في الماضي دون وصول كمّيّاتٍ كبيرةٍ من أنظمة الدفاع الجوّيّ إلى سوريا، وخصوصًا تلك المحمولة على الكتف، مكتفيةً بتوحيد الحلفاء الغربيّين والعرب خلف هدف تقديم التدريب وأسلحة المشاة لجماعات المعارضة المعتدلة، مع مواصلة الولايات المتحدة مسار محادثاتها مع روسيا على خطوط التواصل القائمة بين وزيريْ خارجيّة البلدين جون كيري وسيرغي لافروف.
وأوضح المسؤول الأميركيّ أنّ خيبة الأمل إزاء موقف واشنطن ما زالت تتصاعد في الوقت الراهن، الأمر الذي يزيد من احتمال ألّا تواصل دول الخليج أو تركيا السير وراء الولايات المتّحدة، أو تغضّ الطرف عن أفرادٍ أثرياءَ يتطلّعون لتزويد فصائل المعارضة السوريّة بتلك الأسلحة المضادّة للطائرات.
على هذا الأساس، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ المتحدّث باسم الخارجيّة الأميركيّة مارك تونر كان قد أشار مؤخّرًا إلى أنّ المسؤولين السعوديّين يعتقدون أنّ السبيل الأمثل لإقناع الروس بالتراجع يتمثّل في تكرار ما جرى في أفغانستان قبل نحو ثلاثين عامًا، عندما تمّ تحييد قوّتهم الجوّيّة عن طريق تزويد المجاهدين الأفغان بأنظمة الدفاع الجوّيّ المحمولة، موضحًا أنّ الولايات المتّحدة تمكّنت حتّى الآن من إقناع السعوديّين بأنّ مخاطر ذلك أكبر في يومنا الراهن "لأنّنا لا نتعامل مع الاتّحاد السوفييتيّ وإنّما مع زعيمٍ روسيٍّ يعتزم العمل على إعادة بناء القوّة الروسيّة، ومن غير المرجّح أن يتراجع"، وذلك في إشارةٍ إلى الرئيس فلاديمير بوتين.
وردًّا على سؤالٍ عمّا إذا كانت الولايات المتّحدة مستعدّة لفعل أيّ شيء، إلى جانب المفاوضات، من أجل محاولة وقف العنف، لم يكشف تونر عن خطواتٍ أخرى، لكنّه أكّد أنّ واشنطن لا ترغب في أن يضخّ أحدٌ المزيد من الأسلحة لاستخدامها في الصراع، لأنّ "النتيجة لن تكون سوى التصعيد في قتالٍ مروّعٍ بالفعل"، حيث ستتحوّل الأمور إلى "الأسوأ بكثير"، على حدّ تعبيره.
ووفقًا لهذه الرؤية، فإنّ ما يبدو جليًّا هو أنّ أمد الصراع السوريّ سوف يطول إلى ما بعد المدى المنظور على أقلّ تقدير، ولا سيّما في ظلّ وجود ما يُشبه الخطوط الحمراء التي وضعها اللاعبون الدوليّون لأدواتهم الإقليميّين والمحلّيّين للحيلولة دون تمكين أيّ طرفٍ من أطراف الصراع من حسم الموقف العسكريّ لصالحه على حساب الطرف الآخر، الأمر الذي يعني في المحصّلة النهائيّة أنّ جولاتِ "كسر العظم" الحاليّة في حلب، سواءٌ تراجعت حدّتها أم اشتدّت من جديد، لن يُقدَّر لها أن تؤدّي إلى إحداث أيّ تغييرٍ في موازين القوى إن لم تُحسم جولة التبارز والتراشق الكلاميّ بين واشنطن وموسكو... وما على السوريّين إلّا الصبر واليقين.
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)