قامت السياسة الأميركية والغربية عموما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي على عزل روسيا وتقييدها بسلسلة من الالتزامات المالية والسياسات الاقتصادية التي أعاقت نهوضها.
مع وصول الرئيس فلاديمير بوتين الى السلطة، حددت موسكو استراتيجية تعيد مكانتها على الساحتين الاقليمية والدولية؛ فعززت علاقاتها مع الدول المستقلة عن الاتحاد السوفياتي باعتبارها تشكل عمق أمنها القومي، ومدّت يد التعاون لايران وتركيا والسعودية والصين والهند ودول شرق آسيا، في مقابل السعي لاقامة علاقة ندية مع أوروبا ومن خلفها حلف الناتو بالاعتماد على حاجة القارة العجوز للغاز الروسي.
وفي مواجهة الهيمنة الأميركية على التعاملات النقدية العالمية، تقاطعت مصالح روسيا والصين واقتصاديات العالم الأسرع نموا في ايجاد مؤسسات رديفة للبنك الدولي وصندوق النقد؛ فكانت:
- منظمة "شانغهاي للتعاون" التي تحوي دول آسيا الوسطى بالاضافة الى الصين وروسيا.
- مجموعة "البريكس" العابرة للقارات، والتي بدأت باجتذاب الدول التي تسعى لكسر الطوق الأميركي كإيران.
كشفت الأزمة المالية الدولية عام 2008 خطورة الاعتماد على الدولار الأميركي كرافعة للاقتصاد العالمي، ما دعم سعي روسيا والقوى الصاعدة في اسيا واميركا الجنوبية وأفريقيا في اقامة أحلاف اقتصادية موازية وخلق عالم متعدد الاقطاب.
ساهمت الاخطاء الاستراتيجية الأميركية في افغانستان ثم العراق في نضوج الرؤية السياسية للدور الروسي اللازم اقليميا وعالميا، وبلغ هذا النضج أوجه مع انطلاق ما يسمى بـ"الربيع العربي" ومحاولة واشنطن ركوب الحراك الشعبي لصالح فرض واقع يناسبها.
مع بدء الحرب في سوريا واثارة الملف النووي ضد ايران، رأت موسكو ان خاصرتها جنوبا باتت عرضة للتهديد، فاتخذت – مع الصين – مواقف داعمة لدمشق وطهران أكثر من مرة في مجلس الأمن والمحافل الدولية، قبل أن تتطور تباعا في دعمها لهذين البلدين وصولا حتى الدخول العسكري على خط الازمة في سوريا، واقامة ما يقارب التحالف الاستراتيجي مع ايران في هذه الساحة.
بعد نجاح ايران في كسب معركة الملف النووي ومع تعقد المسألة السورية وغياب حلول سياسية عملية، بات مختلف الاطراف الدوليون، وفي مقدمهم روسيا، ينظرون الى سوريا باعتبارها بوابة قيام النظام العالمي الجديد الذي سيرث احادية القطب الأميركي.
بعد عام على التدخل الروسي المباشر في سوريا، يمكن الركون الى النتائج التالية باعتبارها مكاسب استراتيجية لموسكو:
- اولا: فكت روسيا عزلتها بعد 25 عاما من تفكك الاتحاد السوفياتي وأثبتت نفسها لاعبا اقليميا ودوليا لا يمكن تخطيه.
- ثانيا: قدمت روسيا نموذجا مغايرا للاستراتيجية الأميركية في مكافحة الارهاب بكلفة أقل وفعالية اكبر.
- ثالثا: حافظت روسيا على صمود حليفها السوري، وبالتالي حماية نفوذها عند الحوض الشرقي للمتوسط.
- رابعا: ارست روسيا الدعائم السياسية والعسكرية لقيام نظام عالمي متعدد الأقطاب بعد ان عملت على ذلك اقتصاديا.
- خامسا: بات لاعبون اقليميون مؤثرون ومحسوبون تاريخيا على الحلف الاميركي، كتركيا واسرائيل، يحسبون حسابا للعامل الروسي، حتى في ملفات خارج الساحة السورية.