فهم البعض بالأمس كلام البطريرك الراعي على أنه موّجه إلى العماد ميشال عون، عندما تحدّث عن سّلة الرئيس بري وربطها بالكرامة الوطنية.
قد يكون ما فهمه البعض للوهلة الأولى فيه بعض ما يبرره، وإن كان المنطق يقول أن الراعي يعرف تمامًا أن العماد عون لن يمشي بهذه السّلة مسبقًا، بما تعنيه من فرض شروط عليه، على رغم أنه يدرك أن الرئاسة تصبح في جيبه بمجرد القبول بالتفاوض حول شكل الحكومة العتيدة وحصّة كل طرف فيها وما هي الحقائب التي ستسند إلى هذا الفريق أو ذاك.
إلاّ أن المتبصرين بموقف الراعي يدركون أن ما قاله، وهو كلام لا يحتمل التأويل والتفسير، لآنه جاء بالمباشر من دون لفّ أو دوران، وهو أراد أن يقول للرئيس بري، و"بالعربي المشبرح"، أنه من غير المقبول على أي مرشح أيًا تكن أهدافه الوصولية أن يساوم على كرامته على حساب كرسي غير دائم ومتحرك، وبذلك يكون البطريرك الماروني قد "شال شقلة" عن العماد عون، الذي يبدو محشورًا ولا يستطيع أن يقول ما قاله الراعي بالمباشر، على رغم اقتناعه بأن هذه السّلة، في حال القبول بها، تعتبر في الحياة السياسية والديمقراطية، سابقة يمكن أن تتكرر عند كل منعطف، الأمر الذي يفقد مما تبقى من هيبة الرئاسة بعدما جُرّدت من صلاحيات، هي بمثابة ضمانات، وهي لم تستخدم إلاّ في حالات نادرة، وذلك حفاظًا على الروح الميثاقية التي كانت تتحكم بالقرارات.
وعلى ندرة المعلومات عما دار بين العماد عون والرئيس سعد الحريري، في لقائهما الأخير، فإن ما رشح يوحي بأن "الجنرال" رفض الدخول في مناقشة بنود السّلة، باعتبار أن شكل الحكومة العتيدة هي من صلاحيات رئيس الحكومة المكلف، وأن مجرد القبول بمنطق استباق الأمور يُعتبر انتقاصًا من صلاحيات الرئاسة الثالثة، علمًا أن مرسوم تشكيل الحكومة يوقعه معًا كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة معًا، الذي يلي مرسوم التكليف الذي يوقعه رئيس الجمهورية وحده، بعد إجراء مشاورات نيابية ملزمة.
وعلى رغم أن أجواء عين التينة لا تشي بأن الرئيس بري سيدخل في جدال مباشر مع الراعي في ما قاله بالأمس، وهو كلام عالي السقف، فإن بعض المقربين يرون أن الحملة التي تشّن على السّلة في غير محلها، لأن المقصود بها التوافق على الأساسيات، التي من شأنها أن تحصّن موقع أي رئيس مقبل للجمهورية، باعتبار أن تجربة الرئيس ميشال سليمان مع مسلسل تشكيل الحكومات لم تكن ناجحة ومشجعة، وهو أمضى أكثر من نصف ولايته من دون حكومات، في حين أن هذا الأمر لا يحتاج إلى أكثر من أيام، وهذا ما كان يحصل في العهود السابقة، ولم تسجل سوى حالة نادرة يوم تمّ تكليف الرئيس الشهيد رشيد كرامي تشكيل حكومته في عهد الرئيس الراحل اللواء فؤاد شهاب، وكان ذلك قبل اتفاق الطائف، حيث لم يكن رئيس الجمهورية ملزمًا بمشاورات نيابية ملزمة.
وفي رأي هؤلاء المقربين أنه لا يجوز بعد الفراغ الطويل في سدة الرئاسة الأولى إدخال البلاد في فراغ من نوع آخر، بحيث لن يتمّكن رئيس الحكومة المكلف من تشكيل حكومته إلاّ بعد جهد جهيد، وهذا ما حصل في عهد الرئيس سليمان.
إلاّ أن بعض الخبثاء يرون في سّلة الرئيس بري، كمعبر إلزامي للسير في انتخابات رئاسية، نوعًا من الهروب إلى الأمام ونوعًا من الرفض المبطّن لترشيح عون، باعتبارأنهم يعرفون مسبقًا أنه سيرفض هذا المنطق، وهو الذي يرفع شعار استرداد صلاحيات الرئاسة الأولى.
إلاّ أن دخول البطريرك الماروني على الخط يُعتبر بمثابة قطع طريق على أي مرشح آخر غير العماد عون، للقبول بسّلة بري. وهذا ما يُترك للأيام الآتية، التي ستكون حبلى بالمفاجآت والتطورات المتسارعة، على وقع ما يحصل في حلب، وتداعيات وصول العلاقات السعودية – الإيرانية إلى منسوب مرتفع الوتيرة.