في أغلب الأحيان، باتت تعليقات روّاد مواقع التواصل الإجتماعي أو الصور المركبة أو مقاطع الفيديو الهزلية، توصّف الواقع السياسي في لبنان، بدقة وبلاغة تفوقان ما تتضمنه تحليلات المتابعين والصحافيين وأصحاب الرأي والفكر. يجهد هؤلاء طوال 24 ساعة لمتابعة مجريات الملفات العالقة، وعلى رأسها انتخابات الرئاسة، فتحددُ بوصلة تحرّك السياسيين يوميّاتهم! يتنقلون من مكان إلى آخر بحثاً عن معلومة جديدة، ويكادون يضعون سعال مسؤول أثناء إدلائه بموقف، على مشرحة التشريح، بغية توّقع الآتي في المستقبل القريب أو البعيد.
على السوشيل ميديا، تعيد إحدى الناشطات، وهي صحافية أيضاً، نشر ما يلي: "حزب الله مرشح عون ... والقوات مرشحة عون ... حزب الله بيعتبر القوات عميلة والقوات بتعتبرو ارهابي ...الحريري مرشح فرنجية ... وفرنجية صديق الاسد ... الاسد بيعتبر الحريري ممول الحرب عليه والحريري بيعتبرو مجرم ...
يلعن اللي فهمان شي من شي ... هل بلد لازم يصير نشيدو هل اغنية القديمة تبع مايا نصري اللي مش مفهومة لا كلماتا ولا معانيها!!!
#تحب_احبك_حبة_حب_احب_من_حب_الاحباب
#ولا_تحب_احبك_حب_حبيب_لحبيب_وحباب_لحباب
#شوقك_شقشق_شق_الشوق_شوقني_من_شوق_على_شوق
#ولا_شوقك_لا_شقيق_شوقي_ولا_شقشق_ولا_شق_الشوق".
على صفحة "سمعان" ، أعيد نشر صورة "السيلفي" التي التقطها الحريري وجنبلاط، وكتب عليها ما يلي: "الحريري 2014: نرشح جعجع لرئاسة الجمهورية،
الحريري 2015: نرشح فرنجية لرئاسة الجمهورية،
الحريري 2016: نرشح عون لرئاسة الجمهورية".
فيجيب "البيك":" والله صاير متلي كل سنة براي"!
صورة أخرى على الصفحة ذاتها تجمع الجنرال عون والرئيس بري. تُعدّل بحوار افتراضيّ بين الرجلين، فتقول ما لا يجرؤ كثيرون على قوله أو الإقرار به!
هذه العيّنات القليلة من منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، ورُغم طابعها الكوميدي (أو التراجيكوميدي)، تحفزّ على البكاء. تقول لنا أن "اطراف" الجمهورية أصابتها "الغرغرينا" "بسبب انسداد الشرايين وتحلل الأنسجة". وأن علّة "الألزهايمر" المتفشية، تنسينا حقيقة الإصابة بالغرغرينا! المشكلة الأكبر، أن العلاج شبه مستحيل. تُبتر يد الإنسان المصابة منعاً لمضاعفات تقود الى الموت، لكن هل تحتمل الأوطان هذا "الحلّ"؟!
في العام 2013، مددّ مجلس النواب اللبناني لنفسه، سالباً حق الشعب باختيار ممثليه كلّ أربع سنوات. أعيدت الكرّة، من دون اي مقاومة تذكر، في العام 2014، على أن تنتهي ولايته في العام 2017. طوال هذه الأعوام، ظلّ البرلمان شبه مشلول، فلم يشرّع ولم يلتزم أعضاؤه بالدستور، رغم حصولهم على رواتبهم التي تتفوّق على أجور المواطنين بأضعاف وأضعاف. 48 جلسة عقدت لانتخاب رئيس للجمهورية، ولم يخرج اي دخان أبيض من قمة البرلمان الشاهدة على فراغ في أروقة هذا المبنى، وزوايا بقية المؤسسات الدستورية في لبنان. "مسّح" النوّاب دستور الجمهورية بالأرض حين قرروا تحوير عملية الانتخابات الرئاسية عبر نسف الاقتراع السرّي، والاصرار على التوافق مسبقاً حول اسم المرشح وعمره وهواياته!
ما عادت المؤسسات الدستورية في حال شلل...بل ضربتها الغرغرينا، أي التلف التامّ! وفي ظلّ غياب الرأس، واجتياح الألزهايمر الكثير من الرؤوس، لا فائدة حتى من "البتر". على هذا النحو، لا يمكن أي مؤتمر تأسيسي أن يكون الدواء أو البديل أو الحلّ. فكيف لجمهورية لم يشعر شعبها بعوارض المرض منذ كلّ لحظة أولى لملف او قضية ما، أن يحظى مجدداً بحياة صحيّة؟ بل كيف السبيل الى العلاج ما دام أحدٌ لا يشعر بالألم...أو بالأحرى، ما دام التوافق على مكامن الوجع غير متوافر؟!
اليوم، ثمة حديث عن احتمال تمديد جديد لمجلس النواب. وعلى رغم "الحراك" الراهن في الملف الرئاسي، لا شيء يوحي بأن ابواب قصر بعبدا ستفتح عن قريب. أما الحكومة، فتعيش في حال موت سريريّ...
وفي الوقت، يتمدد الفساد ويستشري. يتهدد الاقتصاد، تُحتضر البيئة، يزداد تعلق المجتمع بآفة التأقلم السلبي على رغم تخبطه بأزمات يومية تبدأ من الرغيف المغمس بالنفايات الذي يتناوله وتنتهي بجعله "ماريونيت" تعاني ألزهايمراً حاداً لكنها تلعب أدوار البطولة في مسرحية قاتلة...