إذا كان مصطلح "عاصفة السوخوي" قد ترافق مع مسار الحرب الروسيّة على الإرهاب في سوريا منذ بدايتها في الثلاثين من شهر أيلول العام الماضي، فإنّ ما يبدو واضحًا في الوقت الراهن، ومع بداية العام الثاني من عمر هذه الحرب، هو أنّنا أصبحنا على وشك التداول بمصطلحٍ جديد، ولا سيّما أنّ النذائر الأوليّة لعاصفة ردود الأفعال الأميركيّة الغاضبة على قيام روسيا بنشر شبكة بطّاريّات منظومتها الدفاعيّة الصاروخيّة من نوع "إس ثلاثمئة" فوق الأراضي السوريّة، لا بدّ من أن تضعنا، عاجلًا أم آجلًا، أمام الحاجة إلى استخدام ما يمكن تسميته، مجازًا، "بركان إس ثلاثمئة"، إذا ما أردنا التعبير بصدقٍ عمّا يُتوقّع أن يُطلقه هذا البركان من حممٍ في حال قرّر الأميركيّون خوض مغامرة الاقتراب من فوهته، سواءٌ في الفضاء السوريّ أم على الأرض، وخصوصًا إذا وضعنا في الحسبان أنّ المؤشّرات المتوافرة لغاية اليوم، ما زالت ترجّح كفّة سياسة "الغموض البنّاء" في مكيال الحسابات الاستراتيجيّة للولايات المتّحدة على كفّة سياسة "الوضوح البنّاء"، الأمر الذي يُبقي باب الاحتمالات بشأن إمكانيّةِ حدوث أيّة مواجهةٍ عسكريّةٍ مباشِرةٍ بين واشنطن وموسكو، أو عدمها، مفتوحًا على مصراعيه.
على الجانب الروسيّ، كان لافتًا ما كشفته المتحدّثة باسم وزارة الخارجيّة ماريا زاخاروفا نهار أمس الجمعة عندما أعلنت أنّ ما استوجب نشر المنظومة الدفاعيّة الصاروخيّة يعود إلى أنّ بلادها تلقّت تقاريرَ سرّبها "خبراءٌ مقرّبون من النخبة الأميركيّة، جاء الواحد منها تلو الآخر، واعتمدت على أسسٍ ملموسةٍ حول نيّة (الولايات المتّحدة) شنّ ضرباتٍ على المطارات السوريّة باستخدام صواريخَ مجنحةٍ"، الأمر الذي كانت القيادة الروسيّة قد كرّرت التحذير من مغبّة حدوثه منذ قيام المقاتلات الأميركيّة باستهداف مواقع الجيش السوريّ في دير الزور الشهر الماضي، باعتبار أنّ أيّ اعتداءٍ على مثل هذه المواقع لن يشكّل إعلان حربٍ على سوريا وحسب، وإنّما على روسيا أيضًا، وهو ما تطرّقت إليه زاخاروفا لدى إشارتها باستهجانٍ إلى أنّ "لا أحد يفهم، وأحيانًا الأميركيّون أنفسهم، إلى أين ستتوجّه صواريخهم، الأمر الذي يؤكّده الخطأ المرتكب في دير الزور".
من هذا المنطلق، ومنعًا لتكرار مثل هذا "الخطأ"، لا بدّ من التذكير بأنّ وزارة الدفاع الروسيّة كانت قد أعلنت يوم الثلاثاء الماضي أنّ شبكة بطّاريّات صواريخ "إس ثلاثمئة" وصلت إلى سوريا من أجل حماية القاعدة العسكريّة البحريّة في طرطوس، مشدّدة على أنّ هذه الشبكة دفاعيّةٌ بحتةٌ ولا تشكّل أيّ تهديدٍ لأحد، ومحذّرة في الوقت نفسه من أنّها ستعتبر أيّة ضربةٍ على المناطق الخاضعة للجيش السوريّ تهديدًا للعسكريّين الروس في سوريا.
وقد أشارت الوزارة أيضًا إلى أنّ "مدى عمل المنظومات قد يصبح مفاجأة بالنسبة لأيّ أجسامٍ طائرةٍ مجهولة"، موضحة أنّه "لن يكون هناك، على الأرجح، وقت أمام المنظومات الروسيّة للدفاع الجوّيّ لتحديد المسار الدقيق لتحليق الصواريخ وهويّة حاملاتها، عبر قنواتِ اتصالٍ مباشرٍ" في حال تعرّض مواقع الجيش السوريّ للضربات، الأمر الذي اعتبره الأميركيّون تهديدًا مباشِرًا لقوّاتهم العاملة في سوريا، ودفع البنتاغون إلى التأكيد على أنّه سيواصل تعزيز الإجراءات الاحترازيّة لضمان أمن الطيّارين الأميركيّين.
الغضب الأميركي!
أمّا لماذا أثار نشر الـ "إس ثلاثمئة" غضب الولايات المتّحدة حاليًّا أكثر ممّا كان عليه الحال لدى نشر الـ "إس أربعمئة" العام الماضي؟
فإنّ هذا السؤال أجاب عليه موقع "وور فايلز" الروسيّ المتخصّص نهار أمس الجمعة حين أوضح أنّ هاتين المنظومتين تكملان بعضهما البعض من جهة حماية الشمال السوريّ وجنوبه، بمعنى أنّهما أدّتا إلى تغطية كامل أراضي البلاد بوسائل الدفاع الجوّيّ الروسيّ، وحرمتا الأميركيّين من فرص المناورة هناك من دون علم القيادة الروسيّة، ولا سيّما أنّ منظومة "إس ثلاثمئة" تتميّز عن غيرها في قدرتها على منع الهجمات الصاروخيّة، واعتراض الرؤوس الحربيّة التي تحلّق بسرعة خمسة كيلومتراتٍ في الثانية، وتدميرها على ارتفاعٍ يصل إلى ثلاثين كيلومترًا. وعلاوة على ذلك، فهي قادرة أيضًا على مواجهة الصواريخ الأسرع من الصوت، ليس فقط من طراز "توماهوك"، وإنّما الأكثر خطورة، بما في ذلك الصواريخ الباليستيّة، وحتّى تلك التي تطلقها الغوّاصات.
ووفقًا لموقع "وور فايلز"، فإنّ ما تخشاه الولايات المتّحدة يتمثّل في أنّ نشر المنظومة سوف يمنع كلّ الهجمات غير المصرَّح بها في سوريا، ويحول بالتالي دون توفير تغطيّة جوّيّة للإرهابيّين، الأمر الذي يعني في المحصّلة النهائيّة أنّ قوّات "التحالف الستّينيّ" لن تستطيع مهاجمة الجيش السوريّ بعد الآن، وأنّ القوّات السوريّة ستكون قادرة على مراقبة الممرّات الإنسانيّة، والقضاء على الإرهابيّين، والتوّجه لاحقًا إلى مرحلة التسوية السياسيّة والحلّ.
وربّما هذا هو بالضبط المأزق الأكبر الذي سيواجه الأميركيّين وحلفائهم في سوريا اعتبارًا من الآن وحتّى إشعارٍ آخر. فهل سيُسلّمون بالأمر الواقع ويَقبلون بالهزيمة على مضضٍ يا ترى، أم إنّهم سينتهجون سياسة "الأرض المحروقة" التي تبدو في هذه الأيّام وكأنّها حاجة ماسّة للديمقراطيّين في معركتهم الانتخابيّة المقبلة ضدّ غريمهم الجمهوريّ، وصديق موسكو، دونالد ترامب، والتي أصبح موعدها على مرمى حجرٍ؟
أسئلةٌ.. يُخطىء من يظنّ بأنّه يملك الإجابات الشافية عليها في الوقت الحاليّ على الأقلّ.. فالأحداث تتسارع على إيقاع تكتكات عقارب الساعة.. ومن الظنّ ما قتل!
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)