في "أجندات" القوى السياسية اللبنانية الرئيسية كثير من التناقضات والحسابات المختلطة بالمصالح في لعبة شطرنج معقّدة لا تخضع لقواعد واضحة المعالم.
ويرسم قرّاء السياسة اللبنانيين لوحة لأجندات هذه القوى تظهر بوضوح المآرب الحقيقية وراء التشبّث بترشيح العماد ميشال عون، بالإضافة طبعا الى "أجندة" عون نفسه.
الحريري
يكتنف حركة رئيس تيار"المستقبل" سعد الحريري التشاورية الكثير من الرسائل المبطنة. فالحريري بتبنيه للعماد عون (إن حصل) يبرئ ذمته تجاه المسيحيين واللبنانيين بأنه ليس المعرقل للإستحقاق الرئاسي.
في حال نجح في مبادرته وتم انتخاب العماد ميشال عون رئيساً فإنه يدخل الى "جنّة السلطة" فاتحاً باب العلاقة مجددا مع الرياض ومطوّقاً تمرّد أشرف ريفي ولاجماً جموح فؤاد السينورة.
أما إذا فشل فإنه سيكون المتضرر الأكبر مع الجنرال عون، وسوف يخسر صدقيته ويصبح الأضعف داخل التركيبة السياسية للشارع السنّي، وسيستقوي عليه خصومه أكثر وستقابله السعودية بمزيد من العزل محمّلة إياه مسؤولية خياراته، علما بأن أي قرار نهائي لم تفصح عنه المملكة بعد في ما يخص نية الحريري ترشيح عون، وليس معلوماً إن كان الحريري سيلتزم برأي الرياض -إن قيل له- أم سيتحول الى "استشهادي" ويتفرّد برأيه مهما كان الثمن.
وثمة دلالات مهمّة لزيارة الحريري الى موسكو الثلاثاء الفائت: فهو توجه الى العاصمة الروسية ذي التأثير الإقليمي الواضح حالياً من دون أن يرى اي مسؤول من "حزب الله" وكأن الحريري يوجه رسالة تفيد بأن الحزب ليس شريكاً معه، وبعد اجتماعه بوزير الخارجية سيرغي لافروف قال في تصريحه للإعلام بأنّ "حزب الله" هو المعطّل الرئيسي للإستحقاق الرئاسي ( وهذا الرأي تكرر في اجتماع "كتلة المستقبل" النيابية)، وهذا يعني من خلال قراءات سياسية لبنانية بأن الحريري لم ينه بعد مرحلة التعاطي مع "حزب الله" من موقع الخصومة السياسية، ولا يرى لغاية الآن بأن "حزب الله" هو في موقع الشراكة معه في تكوين السلطة.
جعجع
وإذا كان الحريري يريد استعادة زمام المبادرة عبر تسلّمه رئاسة الحكومة ومواجهة خصومه السياسيين فإن لرئيس حزب "القوات اللبنانية" الدّكتور سمير جعجع أيضا مصالحه: فإذا ربح الجنرال كرسي "قصر بعبدا" فسيكون جعجع هو عرّاب الحكم الجديد والشريك الماروني الرئيسي والقوي. أمّا إذا لم يتمكّن عون من الظفر برئاسة الجمهورية لسبب من الأسباب، فسيقول جعجع للمسيحيين عامّة وللموارنة بشكل خاص: أديت قسطي للعلى وجرّبت حتى النهاية ولكن هذه هي قدراتي، وبما أننا لا يمكننا ترك مركز الرئاسة شاغرا فلا بدّ من البحث عن مرشح آخر، فيتجنب بذلك أي "فيتو" من الشارع المسيحي. لكنّ معركة جعجع لا تنتهي هنا إذ سيستمر بمحاولة "تطيير" ترشيح رئيس "تيار المردة" النائب سليمان فرنجية.
"حزب الله"
أما "حزب الله" فأجندته مختلفة تماما، فإن وصل مرشحه العماد ميشال عون الى الرئاسة الأولى من ضمن رؤية الحريري كشريك في الحكم ويكون الأخير موافقاً ضمنيا على وجود "حزب الله" في سوريا وفتح باب الشراكة في السلطة التنفيذية للطائفة الشيعية عندها يعتبر "حزب الله" نفسه منتصراً مع حليفه عون في الحكم، فيعمل على سحب ترشيح النائب فرنجية ويتوسّط لدى الرئيس نبيه برّي مطيّبا خاطره.
أما إذا استحال الأمر، ورفض الرئيس الحريري الدّخول في المشروع وأظهرت السعودية تشدّداً، وفشل مشروع انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية عندها سيتشبّث "حزب الله" أكثر بترشيح العماد عون، قائلا بأن الثقة به كبيرة وأن لا ثقة برئيس ينتمي الى فريق 14 آذار، ولا ثقة بالحريري بأنه سيحافظ على مكتسبات "المقاومة"، و"حزب الله" لا يسلّم مصيره لأي رئيس كان، لذا يفضل الإنتظار الى أن يخلق الله أمراً كان مفعولاً، وكان نائب الأمين العام لـ "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم ألمح الى هذا الموضوع في جلسة حوار صحافيّة أخيرا مشيرا الى أنّ "حزب الله" نفسه طويل".
عون
وفي أجندة العماد عون ثابتة أكيدة، فهو والحريري أكثر الناس تأزما. الخصم الأول للعماد عون هو السّن، وبعده يواجه خطراً ثانياً يتمثل بيأس الشارع المسيحي من فشل قياداته في فرض نفسها شريكاً في المعادلة السياسية، وهذا الأمر ينسحب على العماد عون وحليفه "حزب الله".
فقد يكتشف الشارع المسيحي فجأة أن اتفاق "مار مخايل" أي ورقة التفاهم بين "التيار الوطني الحرّ" و"حزب الله" كان "شيكا" بلا رصيد، وسينتهي بالتالي مفعول فترة السماح الطويلة جدّا التي أعطاها الشارع المسيحي للعماد عون، فيدخل الشارع في الإحباط الذي يؤدي الى تغيرات عدّة. فإذا فشل العماد ميشال عون بالوصول الى الرئاسة هذه المرة فإن مصير "التيار الوطني الحرّ" سيكون في مهبّ الريح وسيكون الدكتور سمير جعجع هو الوريث الشرعي الحتمي له، وهذا بالطبع ما لا يتمناه الجنرال عون، لذلك فإن التصعيد لم يلغ من أجندته تحت عنوان: "آخر الدواء الكيّ"، أي أن العماد عون قد يعتمد الأسلوب "الشمشوني" فيعمد الى الخروج من الحكومة والإستقالة من المجلس النيابي وتحريض الشارع على المكونات اللبنانية الأخرى وهذا سيجعل المجموعة المسيحية الموالية له في خانة الإنعزال عن الآخرين.
ويعلق أحد السياسيين الموارنة بخبث:" هكذا تتشابه أجندتا الحريري والعماد عون، فإذا كان "بنك العمر" لا يدعم عون فإن الحريري يعاني من إفلاس مالي بعد إقفال "البنك السعودي" في وجهه. وإذا كان تفاهم عون مع "حزب الله" هو "تفاهم الضرورة" فإن تفاهمه مع الحريري هو "تفاهم مفلسين"!