ﻻ ينبغي أن تُحيد معمعة الداخل اللبناني بالتعاطي مع اﻻستحقاق الرئاسي عن عوائق جدية ﻻ تزال تحول دون تكريس ميشال عون رئيساً للجمهورية، وهي في الواقع متأتية من عوامل إقليمية وحسابات تتجاوز البعد اللبناني واﻻصطفافات القائمة، من هنا ربما يبدو نافرا عدم سير رئيس مجلس النواب نبيه بري بشبه اﻻجماع السياسي الحاصل حول ميشال عون كمرشح وحيد والمستند إلى معطيات إقليمية، قبل إنقضاء اﻻمر نهائيا والنزول إلى ساحة النجمة.
ولكن، وفق ما أبلغ وزير لبناني متابع لحركة المشاورات الدائرة "لبنان 24" فإن العائق اﻻساسي يكمن في إرتباط إنتاج أي حل أو تسوية تتعلق بالوضع اللبناني بتعقيدات المشهد في المنطقة وبمجريات اﻻزمة السورية تحديدا.
يتجاوز الوزير المذكور حالة الضبابية بالموقف السعودي من "طبخة الحريري" طالما ليس من تفسير واضح حول حقيقة منح وزير الخارجية عادل الجبير الحريري الحرية مع تحميله نتائج خياره وإنتخاب عون، غير أنه يتوقف مليا أمام التحفظ الروسي حول خيار إنتخاب عون، وهذا ما بدا جليا أثناء إستقبال وزير الخارجية سيرغي ﻻفرورف الرئيس سعد الحريري مؤخرا.
صحيح بأن ناظر السياسة الخارجية الروسية الجديدة في الشرق اﻻوسط، وشريك جون كيري بإعادة تشكيل المنطقة لم يحد عن اﻻعراف الدبلوماسية المعهودة بتصريحه المقتضب عند التشديد على وجوب تفاهم اللبنانين والذهاب نحو إنتخاب رئيس بأقرب فرصة، غير أن الخبر اليقين هو عند الممسك بمفاصل الملف اللبناني أي مبعوث الرئاسة الروسية لشؤون الشرق اﻻوسط مخائيل بوغدانوف.
أجمع عدد من ضيوف بوغدانوف في المرحلة الأخيرة بأن روسيا ﻻ تحبذ وصول ميشال عون لسدة الرئاسة في لبنان، ولها في ذلك قراءاتها الخاصة خارج اﻻصطفافات الداخلية، أما اﻻسباب فمتصلة بأجواء الفتنة السنية - الشيعية الذي تحاول بعض اﻻطراف إشعالها بالمنطقة العربية.
تعتبر روسيا في هذا المجال بأن محاربة التطرف اﻻسلامي اﻻولوية الأولى، وهي ترى بأن دولاً وأطرافاً معنية بالنزاع السوري ﻻ تقوم بواجباتها على هذا الصعيد، وفي المقدمة السعودية التي تتخذ من مشاركة "حزب الله" بالقتال والتدخل اﻻيراني ذريعة، بل وتستخدم ورقة المجموعات الإسلامية المعتدلة لكونها رابحة جداً مذهبيا.
ويختم الوزير المعني بما تناهى إلى مسامع ضيوف بوغدانوف بأن الوتر السني مشدود مذهبيا في سوريا وروسيا تعمل بجد على إستيعاب هذه الحالة باﻻنفتاح على قوى سياسية والحوار معها مثل رئيس "تيار الغد" السوري أحمد الجربا للوصول لتقارب في وجهات النظر، وعدم تكرار الخطأ الحاصل في العراق على صعيد اﻻخلال بالتوازن بالسلطة مما أثار الحساسيات المذهبية وقد يهدد بتفكك العراق وفق كيانات شيعية وسنية.
هذه المعضلة لها وزنها في الميزان الروسي بخصوص لبنان قبل أية إعتبارات أخرى، بما تتضمن من مخاطر وأفخاخ على وضعية لبنان واﻻستقرار الداخلي الهش، من هنا ترى روسيا بأن البيئة السنية إن جاز التعبير ﻻ تزال متحفظة على وصول ميشال عون للرئاسة لكونه حليفا إستراتيجيا لحزب الله وإيران بغض النظر عن جهود سعد الحريري وتغطيته السياسية، وهذا اﻻمر ﻻ يمكن معالجته بمقابلة تلفزونية هادئة أو بمواقف عابرة وبالتالي ﻻ بد من التفتيش عن شخصية توافقية تتناسب مع طبيعة المرحلة وتحدياتها.