لم يكن من قبيل الصدفة أن تتزامن زيارة الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين لتركيا مع إعلان وزارة الدفاع في موسكو عن اعتزامها إقامة قاعدة عسكريّة بحريّة دائمة في ميناء طرطوس السوريّ، تمامًا مثلما لم يكن من قبيل الصدفة أيضًا أن يُظهر الرئيس التركيّ رجب طيّب أردوغان حفاوة بالغة لدى استقباله بوتين في مقرّ انعقاد مؤتمر الطاقة العالميّ في مدينة اسطنبول، ولا سيّما أنّ دلالات هذين المؤشّرين تكفي للتأكيد على أنّهما يحملان على إيقاعهما رسائلَ مباشِرةً يرغب الطرفان في توجيهها للولايات المتّحدة الأميركيّة، ومفادها أنّ العصر الذي تمكّنت خلاله واشنطن من الاستفراد بالساحة الشرق أوسطيّة على مدى السنوات الطويلة الماضية، أوشك على الانتهاء.
مصادر مقرّبة من أجواء مؤتمر اسطنبول، لفتت إلى أنّ "الطريقة الحيويّة" التي ميّزت تعامل الرئيسين بوتين وأردوغان مع بعضهما البعض، تؤكّد بوضوحٍ أنّ كلًّا من موسكو وأنقرة تجاوزتا إلى غير رجعةٍ حادثة قيام المقاتلات التركيّة بإسقاط قاذفة السوخوي الروسيّة فوق سوريا في الرابع والعشرين من شهر تشرين الثاني العام الماضي، وأنّ الجانبين عازمان على المضي قدمًا في مجال تطوير علاقاتهما الثنائيّة في شتّى المجالات السياسيّة والاقتصاديّة والاستراتيجيّة، الأمر الذي لا بدّ وأن ينعكس بشكلٍ إيجابيٍّ على أزمات دول الإقليم، وفي طليعتها الأزمة السوريّة.
وبحسب المصادر، فإنّ المواضيع التي سيتناولها الرئيسان بوتين وأردوغان خلال لقائهما المقرّر إجراؤه على هامش المؤتمر، ستتمحور حول الأوضاع الميدانيّة على جبهات القتال في سوريا وأهمّيّة رفع مستوى التنسيق العسكريّ بين الجانبين في هذا المجال، تمهيدًا لإطلاق العمليّة السياسيّة مجدّدًا، علاوةً على البتّ بآليّة تنفيذ مشروع خطّ أنابيب "الدفق التركيّ" الذي يُفترض أن يبدأ العمل فيه العام المقبل، ليحلّ مكان خطّ أنابيب "الدفق الأوكرانيّ" في مجال نقل إمدادات الغاز الروسيّ إلى دول الاتّحاد الأوروبيّ لدى انتهاء فترة صلاحيّة العقد الموقَّع بين موسكو وكييف بهذا الخصوص عام 2019، وكذلك البتّ أيضًا بآليّة تنفيذ مشروع بناء أوّل مفاعلٍ نوويٍّ تركيٍّ للأغراض السلميّة بتقنيّاتٍ روسيّة.
على هذا الأساس، وأمام ظهور المؤشّر تلو الآخر على تشكيل خارطةِ تحالفاتٍ جديدةٍ في منطقة الشرق الأوسط، وما يترافق مع ذلك من دلائلَ على تراجع نسبة التأثير الأميركيّ والأطلسيّ في هذه المنطقة، تأتي خطوة وزارة الدفاع الروسيّة بشأن إقامة قاعدةٍ عسكريّةٍ بحريّةٍ دائمةٍ في ميناء طرطوس السوريّ لتؤكّد أوّلًا على ضرورة حماية خارطة التحالفات الجديدة، تمامًا مثلما تؤكّد ثانيًا على أنّ الوجود الروسيّ في المنطقة أصبح مرشّحًا بالفعل لكي يترسّخ ويطول.
وبحسب نائب وزير الدفاع الروسيّ نيقولاي بانكوف، فإنّ الوثائق الخاصّة بهذا الشأن أصبحت جاهزة، ويتمّ التنسيق بشأنها حاليًّا بين مختلف الهيئات، ومن المتوقّع أن تطلب الوزارة من البرلمان المصادقة عليها قريبًا.
أمّا عضو لجنة الشؤون الدوليّة في مجلس الاتّحاد (المجلس الأعلى للبرلمان الروسيّ) إيغور موروزوف، فقد قال إنّ القرار بشأن إقامة القاعدة سيعني زيادة عدد السفن العسكريّة الروسيّة في المنطقة، ويعزّز قدرات روسيا العسكريّة، ليس في سوريا وحسب، وإنّما في مختلف أنحاء الشرق الأوسط والبحر المتوسّط بشكلٍ عامّ.. وهنا تكمن كلمة السرّ وراء تزامن الإعلان عن هذا الموضوع مع وصول الرئيس بوتين إلى تركيا، وهنا تكمن الدلالات والأبعاد.
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)