من تابع كلام الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، في اليومين التاسع وعشر من محرم، وهو تعمد المشاركة شخصيا في المناسبتين، لاحظ بوضوح أنه ركز في شكل خاص على وضع الحكومة أكثر من أي قضية اخرى، علمًا أن بعض المراقبين كان ينتظر منه موقفًا متقدمًا من مسألة رئاسة الجمهورية، مع ما يكتنف هذا الموقف من غموض لم يبدده كلام التاسع والعاشر، على رغم أن ما قاله في الشأن الرئاسي يمكن إدراجه في خانة كسب الوقت، ريثما تنجلي ظروف المعارك الدائرة على الساحة السورية، وهي لا تبدو قريبة الانتهاء، بعدما تحولت إلى ساحة مفتوحة تنذر بحرب عالمية ثالثة.
وتوقف بعض الذين لم يراهنوا في الأساس على المواقف الداخلية لإيجاد حل للازمة الرئاسية وما يرتبط بها من عوامل أخرى لا تقل أهمية عن الشأن الرئاسي، وهي أمور تتعلق بمعيشة الناس، ومدى تأثرها سلبًا بجمود الحركة السياسية،عند النقاط الفاصلة للسيد، والتي تؤكد أن "حزب الله" غير مستعجل على إجراء انتخابات رئاسية في القريب المنظور.
ومن بين الدلالات التي استند إليها هؤلاء المحللون لتدعيم وجهة نظرهم القائلة بأن "حزب الله" لا يزال يتريث في مسألة الإستحقاق الرئاسي، تلك التي كررها السيد في المناسبتين وشدّد على أهميتها، وهي دعوة الجميع بمن فيهم "التيار الوطني الحر"، من دون أن يسميه، لتفعيل عمل مجلس الوزراء، الذي يحتاج إلى أكثر من هذه الدعوة لتعويم نفسه، نظرًا إلى عدم تمكّنه من خوض المواضيع الشائكة، على رغم التعيينات الأخيرة.
فلو كان "حزب الله"، كما تقول مصادر مراقبة، مستعجلًا لإجراء إنتخابات رئاسية لكان أعتبر أن هذه الحكومة المنتهية صلاحيتها، والتي أتت في الأساس لفترة محدّدة ومحدودة، قد أدت قسطها للعلى، وحان الوقت لتستريح، لتحل مكانها حكومة وحدة وطنية بعد إنتخاب رئيس للجمهورية، مع التسليم بمبدأ "سلة" الرئيس نبيه بري، التي تقول بضرورة التوافق السياسي على شكلها ومهامها قبل الإقدام على إنتخاب رئيس للجمهورية، من دون أن يعني ذلك فرض شروط مسبقة عليه، وهذا ما ذهب البعض إلى تفسيره.
ومع تسليم الجميع بضرورة تفعيل عمل الحكومة الحالية، مع تشكيك البعض بإستحالة هذا الأمر، فهذا يجب ألاّ يعني التسليم بالأمر الواقع ومجاراة المنطق الذي يقول بأن الطبخة الرئاسية لم تنضج ظروفها بعد، وأن كلمة السرّ التي تأتي عادة من الخارج لم يحن أوانها بعد، في ظل إرتفاع منسوب التشنج في العلاقات بين الرياض وطهران.
وفي رأي الكثيرين أن الحكومة الحالية المنوطة بها صلاحيات رئيس الجمهورية يجب ألاّ تكون بديلًا من ضائع، وأن عامل الوقت وضياع الفرص المتاحة قد يساهمان إلى حدّ كبير في تعميم حال الفراغ على كل مؤسسات الدولة، التي بدأ ينخرها سوس الفساد والتراخي والإستلشاق بمصالح الناس وهمومهم.
وعلى رغم أهمية كلام نصرالله في ما ذهب به لجهة إبدائه مرونة لافتة حيال الرئيس سعد الحريري، فإن كلامه الرئاسي لم يطمئن كثيرًا الرابية، التي كانت تنتظر موقفًا حاسمًا غير تكرار إلتزام الحزب بتأييد ترشيح العماد ميشال عون، وهو جاء في سياق تأكيد المؤكد ولم يضف جديدًا يمكنه أن يزيد "الجنرال" إطمئنانًا، ولم يعطِ الرئيس الحريري "سلاحًا" يمكّنه من مواجهة المعترضين على ترشيح "الجنرال"، من داخل كتلته ومن خارجها.
وما جعل الرابية غير مطمئنة إلى مآل الأمور أن كلام السيد بالنسبة إلى موقف الرئيس نبيه بري المعارض لوصول عون إلى الرئاسة كان كلامًا ديبلوماسيًا، في وقت يحتاج الولوج إلى المعبر الرئاسي أكثر من كلام ديبلوماسي.