لقد بات من المؤكد، إستنادًا إلى آخر المعطيات، أن الجلسة الـ 46 في 31 الجاري لن تنتج رئيسًا للجمهورية، إلاّ إذا طرأ جديد لم يكن في الحسبان، وهو أمر مستبعد، أقلّه على مستوى الإتصالات الداخلية العالقة عند إمكانية عقد لقاء ثنائي بين العماد ميشال عون والرئيس نبيه بري، الذي لا بدّ من أن يسبقه لقاء تنسيقي بين الوزيرين جبران باسيل وعلي حسن خليل للتفاهم على الخطوط العريضة لما يُمكن أن يشّكل قناعة مشتركة بين الطرفين، قد تفضي إلى ملء السّلة التي سبق لرئيس مجلس النواب أن اقترحها كمعبر إلزامي لتجاوز العقد ولتلافي المطبات، التي يمكن أن تواجه العهد الجديد، بعيدًا عن مفهوم فرض شروط معينة على أي مرشح للرئاسة. وهذا ما تمّ التفاهم عليه بين بكركي وعين التينة.
ولكن وقبل الوصول إلى هذه المرحلة، التي تُعتبر مؤشرًا مركزيًا لولوج حلحلة العقد الرئاسية، يبدو أن جميع الأطراف المعنية بهذا الإستحقاق لا تزال تنتظر بعضها البعض بما يشبه الحلقة العنكبوتية المتشابكة الخيوط، أو السلسلة المفككة حلقاتها، والمفترض أن تكون مترابطة.
فالعماد عون لا يزال ينتظر موقفًا حاسمًا من الرئيس سعد الحريري، الذي ينتظر بدوره ضوءًا أخضر من الرياض، التي لا تزال متريثة في إتخاذ قرار من ترشيح "الجنرال"، في انتظار بلورة معالم المرحلة المقبلة ومدى ملاءمة هذا التأييد مع منظومة مصالحها الإقليمية، في ضوء ما ستسفر عنه التطورات في المنطقة المتسارعة بدءًا باليمن ومرورًا بالعراق ووصولًا إلى سوريا.
وبين هذا الإنتظار وذاك التريث، لا يزال الرئيس الحريري يعّول على موقف نهائي للرئيس بري الرافض حتى هذه الساعة السير بخيار "الجنرال"، خصوصًا بعد الإشارات الإيجابية التي تلقاها رئيس تيار "المستقبل" مباشرة وفي العلن من الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في خطابه الأخير في اليوم التاسع من محرّم، وهو كلام تلقفه بعض المحيطين بالحريري، والذين يندرجون في خانة "الحمائم" بكثير من الجديّة والإهتمام، على رغم حدّية الكلام الذي يستخدم في البيانات الرسمية، والذي يُعتبر باللغة السياسية من حواضر البيت الداخلي لكل فريق.
أما النائب وليد جنبلاط، الذي أفهم العماد عون بأنه لن يسير عكس الإرادة المسيحية، وبالأخص البطريركية المسيحية، متى تمّ التوافق على مرشح معين، لا يزال يربط موقفه النهائي بما سيقرره الرئيس بري، وهما لا يخفيان حتى تاريخه إلتزامهما بدعم ترشيح النائب فرنجية.
ولأن الخيوط الرئاسية لا تزال متشابكة، وتحتاج إلى مهارة فائقة لفكفكة عقدها، فإن القائلين بأن لا شيء في الأفق يوحي بأن موعد تصاعد الدخان الأبيض من مدخنة ساحة النجمة بات قريبًا، يذهبون إلى أبعد من ذلك في استبعادهم إمكانية إنتخاب رئيس قبل أن تتبلور صورة التطورات المتسارعة في سوريا والعراق واليمن، وهي صورة غير مكتملة الوضوح، أقلّه في ما يتعلق بما ستؤول إليه من تحالفات دولية وإقليمية، وقبل أن تتمكن الإدارة الأميركية الجديدة من تحديد أولوياتها وخياراتها في المنطقة.