يوم أجبر العماد ميشال عون في 13 تشرين الأول من العام 1990على الخروج من قصر بعبدا إلى السفارة الفرنسية في الحازمية، بعدما حوّلت المقاتلات السورية هذا القصر إلى ركام، بغطاء قرار من الشرعية اللبنانية يوم ذاك، بدأ يفكّر بالطريقة المناسبة التي تمكّنه من العودة إليه رئيسًا، وبقرار "شرعي"، وبأصوات من غطّى يومها قرار الإجتياح والإطاحة.
فخلال 26 سنة، قضى أكثر من نصفها في المنفى، لم تغب عن بال ساكن "الهوت ميزون"، رغمًا عنه، ولاحقًا الرابية، بطيبة خاطر، هذه الفكرة التي كانت هي المحرّك لكل خطواته اللاحقة.
فمن "زمور" كان كفيلًا بتوقيف أنصاره، إلى اللون البرتقالي وشعار "الصح" الشبيه بعلامة النصر، إلى "تسونامي" انتخابي، إلى ورقة التفاهم مع "حزب الله"، فالتحالف مع "القوات اللبنانية"، الخصم التاريخي على الساحة المسيحية، بعد عداوة ما سُمي بـ"حرب الإلغاء"، كان "الجنرال" يرى أن النجوم التي كانت على كتفيه ستحمله إلى حيث سبقه إليه عمادان، كانا تحت أمرته العسكرية، يوم كان قبلهما قائداً للجيش.
فمنذ 13 تشرين الأول 1990 و13 تشرين الأول 2016، أصبح من كان يحمله والده على كتفيه صعوداً نحو "بيت الشعب" في مقتبل العمر، وهو لا يزال يحلم بأن يرى من كان يهتف له يومًا، ولم يكن يدري ما تعنيه الكلمات التي تردّد على مسامعه من "حرية وسيادة واستقلال"، يجسد هذه الشعارات في يوم من الأيام وهو في سدّة الرئاسة.
ففي حال تمّ التوافق على انتخاب "الجنرال" رئيسًا أم لم يتّم ذلك، فلا بد من الإعتراف، وهذا ما يقرّ به أشدّ الناس خصومة له، بأنه معاند أمام التحديات، ولا يتراجع عند الصعوبات. مصمّم حازم، وحالم إلى حدود الإستحالة.
الذين سيمشون اليوم على الطرقات المؤدية إلى قصر بعبدا لن يروا، وهم غير مستعدين على أن يروا، سوى قائدهم رئيسًا للجمهورية، ولو بعد حين، وسيهتفون له "بالروح، بالدم نفديك يا جنرال"، وهو سيطّل عليهم بـ"خطاب العهد"، من دون أن يعني ذلك أن الحلم أقترب إلى أن يصبح حقيقة، على رغم أن الذين أنضموا اليوم إلى خيم الأمس، مع ما تضّمنته من شاورما ولعب طاولة و"برتيّة ترنيب".. وإضاءة شموع طبعًا، يعتقدون أن نزلتهم إلى الشارع ستكون هذه المرّة طويلة إن لم يصل "الجنرال" إلى بعبدا رئيسًا توافقيًا وتوفيقيًا، بعد طول إنتظار.
حتى الأمس القريب لم تكن الأجواء خارج دائرة الرابية توحي بقرب الفرج والإنفراج، والدليل إلى ذلك أن الرئيس سعد الحريري لم يحسم أمره بعد، وإن كانت الأوساط المحيطة بـ"الجنرال" توحي بأن الأمور "خلصت"، وهي توجتها بما نُسب إلى جنبلاط إبلاغه رئيس تيار "المستقبل" موافقته على السير بعون، إذا كان ترشيحه نابعًا من إرادة مسيحية. إلاّ أن تغريدات زعيم المختارة التي أعقبت هذه الأجواء لم تشِ بما يمكن الذهاب إليه من استنتاجات. فهي لا بيضاء ولا هي سوداء، بل بين بين لتلامس اللون الرمادي، مما يعني أن لا شيء محسومًا بعد، في انتظار أن يبقّ الحريري البحصة، التي يخشى أن تحوّلها التعقيدات إلى دبشة يصعب ابتلاعها قبل أن تكون جاهزة للبقّ..