أمّا وقد بدأ التحالف الدوليّ بقيادة الولايات المتّحدة الأميركيّة قرع طبول "الزفّة" لما يمكن أن يُسمّى مجازًا بـ "عرس" تحرير مدينة الموصل في محافظة نينوى العراقيّة، فإنّ أبرز ما كان لافتًا على إيقاع التغطيات الإعلاميّة التي تناولت خبر الإعلان عن هذا الحدث الكبير، تمثّل في أنّ بورصة المواقف وردود الأفعال الصادرة بشأنه بدت حافلةً بمضارباتٍ ذاتِ أبعادٍ مذهبيّةٍ بحتة، ولدرجةٍ أوحت بأنّ الهمّ الأكبر لدى بعض قيادات العالم العربيّ لا يتركّز في الوقت الحاليّ سوى على الخشية من "عواقب" مشاركة "الحشد الشعبيّ" في الهجمات البرّيّة المخطَّط لها أن تتمّ على محاورَ عدّة، من دون التطرّق إلى أيٍّ من الهواجس التي يُفترض أن تطغى على المشهد العسكريّ العامّ، جرّاء الغموض الذي يكتنف سرّ تزامن هذه العمليّة مع وصول التوتّر في العلاقات الأميركيّة – الروسيّة إلى حدٍّ لم يسبق لارتفاع منسوب خطورته مثيلٌ منذ الحرب العالميّة الثانيّة، وما يروَّج له على خلفيّة ذلك عن احتمال اندلاع الحرب العالميّة الثالثة، وخصوصًا في ظلّ اكتمال الاستعدادات اللوجستيّة الروسيّة لخوضها ضدّ الأميركيّين وتحالفهم الستّينيّ بأكمله إذا ما أصبحت شرًّا لا بدّ منه.
على هذا الأساس، جاءت تحذيرات وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف من مخاطر احتمال مغادرة مقاتلي تنظيم "داعش" الأراضي العراقيّة باتّجاه سوريا لتثير الريبة حول الأهداف الحقيقيّة التي ترغب الولايات المتّحدة في تحقيقها من وراء هذه العمليّة، وفي هذا الوقت بالغ الدقّة والحساسيّة بالتحديد، ولا سيّما أنّ الجانب الأميركيّ كان قد أضاع في السابق أكثر من فرصةٍ في مجال التعاون الجديّ مع موسكو في ملفّ الحرب على الإرهاب، منذ ذلك اليوم الذي لم يصبح بعيدًا بعد من شهر أيلول من العام الماضي، عندما وقف الرئيس فلاديمير بوتين أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة ليعلن عن اعتزام بلاده شنّ الحرب على الإرهاب في سوريا، داعيًا المجتمع الدوليّ إلى تشكيل تحالفٍ أكثر فاعليّةٍ، ويشمل روسيا، من أجل تحقيق هذا الهدف.
وإذا كانت تجلّيات الأشهر الماضيّة التي أعقبت هذا الإعلان قد أظهرت بوضوحٍ أنّ السلوك الأميركيّ غالبًا ما كان ينمّ عن وجودِ رغبةٍ دائمةٍ في منافسة روسيا أكثر من التنسيق معها على هذا الصعيد، فإنّ الوزير لافروف دأب على الاحتفاظ بسمات ديبلوماسيتّه الهادئة، الأمر الذي تجلّى صباح هذا اليوم عندما قال ردًّا على سؤالٍ يتعلّق بعمليّة تحرير الموصل إنّ الجميع مهتمّون بإلحاق الهزيمة بمقاتلي "داعش"، موضحًا أنّ بلاده مستعدّة لاتّخاذ التدابير اللازمة في حال ظهور تشكيلاتٍ إضافيّة من عناصر هذا التنظيم في سوريا.
هدنة حلب
أمّا بالنسبة إلى قرار وقف تحليق الطائرات الحربيّة الروسيّة والسوريّة في حلب، فقد أوضح لافروف أنّه يأتي في سياق إشارةٍ عن حسن النيّة، معربًا عن أمله في أن يتمّ استغلال هدنة حلب بما يضمن خروج المسلّحين من المدينة، لكي يتمّ في نهاية المطاف فصل "جبهة النصرة" ومن شابهها عن تلك الجماعات المسلّحة التي تدعمها وتموّلها وتسلّحها الولايات المتّحدة، إلى جانب عددٍ من الدول الأوروبيّة ودول الإقليم.
وممّا لا شكّ فيه هو أنّ جميع هذه التطوّرات المتلاحقة تأتي في مجملها لتؤكّد على المعلومات التي تتحدّث حاليًّا عن أنّ روسيا تستعدّ للعمليّة العسكريّة الكبرى التي ستؤهلّها لحسم مسألة انتصارها في حملتها على الإرهاب في سوريا، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ تشكيلات قطع أسطولها البحريّ أوشكت على الاكتمال مع اقتراب موعد وصول حاملة الطائرات "الأدميرال كوزنيتسوف" والطراد النوويّ "بطرس الأكبر" إلى السواحل السوريّة، وذلك بعد اكتمال تشكيلاتها على الأرض إثر نشر منظومة شبكة صواريخ الـ "إس ثلاثمئة" في طرطوس والـ "إس أربعمئة" في حميميم، الأمر الذي لا يختلف اثنان على أنّه يوحي أيضًا بأنّ الوجود الروسيّ في منطقة الشرق الأوسط أصبح مرشّحًا بالفعل لطول البقاء، تمامًا مثلما يوحي بدء عمليّة تحرير الموصل بأنّ الغرب الأميركيّ والأوروبيّ عازمٌ على عدم الخروج من هذه المنطقة مهزومًا أمام المدّ الروسيّ، بينما يبقى بارومتر احتمال حدوث مواجهةٍ عسكريّةٍ مباشِرة بين الطرفيْن رهنًا بإمكانيّة إقدام الولايات المتّحدة على خوض مغامرةٍ تشبه المقامرة في العمق السوريّ، نظرًا لأنّ روسيا ستعتبر ذلك إعلانَ حربٍ ضدّها وليس ضدّ سوريا وحدها.. وما على النافخين المحلّيّين في كومات قشّ صراعاتهم المذهبيّة سوى التعاطي مع هذا الواقع الجديد بحذرٍ شديد، والتوقّف عن النفخ قليلًا، والاقتناع بأنّ الصراع الدوليّ الراهن أكبر وأخطر من صراعاتهم بكثير، علّهم بذلك يعقلون ويتوكّلون... والخير من وراء القصد!