لم يعد يخفى على أحدٍ أنّ توقيت البدء بعمليّة فكّ أسر مدينة الموصل العراقيّة من قبضة عناصر تنظيم "داعش"، أظهر بوضوحٍ أنّ الولايات المتّحدة احترفت فنون اللعب على حافّة الهاوية، أملًا في ردّ الاعتبار إلى هيبتها المفقودة أمام براغماتيّة الحضور الروسيّ الفاعل والمتفاعل على الساحة الشرق أوسطيّة، تمامًا مثلما أظهر أيضًا مدى التباين الهائل في سلوكيّات الإدارتين السياسيّتين في كلٍّ من البيت الأبيض وقصر الكرملين لدى التعاطي مع ملفّ مكافحة الإرهاب، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار البديهيّة القائلة بأنّه لو قدِّر لحسابات الحقل الروسيّ أن تتطابق، يومًا ما، مع حسابات البيدر الأميركيّ في مواسم قطف ثمار الحرب التي يشنّها الطرفان حاليًّا على هذه الآفة في كلٍّ من سوريا والعراق، لكان قد أصبح في الإمكان الحصول تلقائيًّا على حصادٍ يخلو من سوسة الأصوليّة الوصوليّة التي نخرته، بسمادٍ أميركيّ، على مرّ السنوات الطويلة الماضية، بدءًا من أفغانستان، مرورًا بالبوسنة وكوسوفو والشيشان والصومال، ووصولًا إلى الدول التي يجتاحها حاليًّا عصف "ربيع العرب"، ولكانت القيم الإنسانيّة الغابرة قد استعادت بريقها وتوهّجها في هذا العالم الذي يتوق إليها، بعيدًا عن فكر التكفير والتلغيم، وعن ثقافة الإقصاء والإلغاء، بما يضمن في المحصّلة النهائيّة العيش في مجتمعاتٍ صحّيّةٍ وآمنةٍ ومستقرّة، يستكمل أبناؤها مسار عمليّة التحوّل الطبيعيّ من عصر الظلام إلى عصر النور.
على هذا الأساس، يُصبح في الإمكان تفهّمُ سرّ الهدوء الذي لازم لهجة المسؤولين الروس لدى التطرّق إلى المعلومات التي تحدّثت قبل ثلاثةِ أيّامٍ عمّا جرى من تنسيقٍ بين وكالة المخابرات المركزيّة الأميركيّة وجهاز المخابرات السعوديّة من أجل توفير ممرٍّ آمنٍ لمقاتلي تنظيم "داعش"، يضمن عبورهم بسلامٍ من الموصل إلى الأراضي السوريّة، بغية السعي مجدّدًا إلى "الحرتقة" على موازين القوى القائمة حاليًّا هناك، وذلك لسببٍ بسيطٍ مفاده أنّ أولئك المسؤولين يعلمون علم اليقين أنّ تجارب الماضي علّمتهم أنّهم لم يدخلوا على مرّ التاريخ حربًا إلّا وانتصروا فيها، تمامًا مثلما يعلمون علم اليقين أيضًا أنّ جينات الجسم الدوليّ والإقليميّ المكوِّنة لـ "الدواعش" ومشتقّاتهم، لا بدّ وأن تسقط عنها ورقة التين في نهاية المطاف، عاجلًا أم آجلًا، ومهما طال الزمان.
وإذا كان رئيس هيئة الأركان العامّة للقوّات المسلّحة الروسيّة الجنرال فاليري غيراسيموف قد أعدّ العدّة للتعاطي مع احتمال عبور آلاف المقاتلين من الموصل باتّجاه الأراضي السوريّة، فإنّ الرئيس فلاديمير بوتين لم يتأخّر في الاتّصال هاتفيًّا مع رئيس الوزراء العراقيّ حيدر العبادي لكي يبحث معه سير العمليّات العسكريّة في الموصل، متمنيًّا للجيش العراقيّ وحلفائه النجاح في مهمّتهم، ومؤكّدًا دعمه لجهود السلطات العراقيّة للقضاء على بؤرة الإرهاب الدوليّ وضمان سيادة ووحدة أراضي البلاد، وذلك على رغم إدراكه الكامل للنوايا التي تتحكّم بالسلوك العدوانيّ الأميركيّ تجاه روسيا في هذه العمليّة.
أمّا بالنسبة إلى ما يتعلّق باحتمالات وصول التوتّر الراهن في العلاقات الأميركيّة – الروسيّة إلى حدّ المواجهة العسكريّة المباشِرة، فقد كان الرئيس بوتين شديد الوضوح عندما قال إنّ بلاده لا تريد التصادم، موضحًا أنّه إذا كان "الشركاء" في الغرب يريدونه، فهذا خيارهم، ومؤكّدًا على أنّ الخلافات بين موسكو وواشنطن لم تبدأ من سوريا، بل من يوغسلافيا، وذلك في إشارةٍ إلى الحملة العسكريّة التي شنّتها قوّات حلف شماليّ الأطلسيّ، بقيادة الولايات المتّحدة، على تلك الجمهوريّة الاتّحاديّة في شهر آذار عام 1999، سعيًا إلى الإطاحة بنظام الرئيس الراحل سلوبودان ميلوسوفيتش، وما نجم عنها من تدميرٍ ممنهجٍ لتركيبة المجتمع اليوغسلافيّ.
ولعلّ أهميّة الإشارة إلى تلك الحملة، وغيرها من السلوكيّات الأميركيّة المشابهة، تمثّلت في أنّها تمّت خلال انعقاد قمّة مجموعة دول الـ "بريكس" في ولاية غوا الهنديّة يوم السبت الماضي، ولا سيّما أنّ الخبراء الاستراتيجيّين متّفقون على الرأي القائل بأنّ دول هذه المجموعة، أصبحت تشكّل بالفعل القوّة العالميّة العظمى، سواءٌ من حيث مساحتها الجغرافيّة أم من حيث قدراتها الاقتصاديّة أم من حيث تركيبتها الديموغرافيّة.
أمّا النقطة الأهمّ، فقد تمثّلت في إشارة الرئيس بوتين إلى أنّ الولايات المتّحدة أصبحت على وشك الانهيار اقتصاديًّا، لافتًا من موقع المسؤوليّة إلى أنّ تهاوي الاقتصاد الأميركيّ سيؤثّر سلبًا على اقتصاديّات بقيّة دول العالم بسبب الارتباط القائم ما بينها وما بين الدولار، ومشيرًا إلى أنّه سيذهب إلى آخر المطاف من أجل بناء عالمٍ أكثر استقرارًا ومتعدّد الأقطاب.
وربّما كانت أهميّة هذه الإشارة تكمن في أنّها تزامنت مع الإعلان عن أنّ حجم الدين العامّ الأميركيّ تضاعف خلال عهد الرئيس باراك أوباما، ووصل إلى ما يقارب العشرين تريليون دولار، ولا سيّما أنّ الرئيس بوتين، يدرك إلى درجة اليقين الكامل، شأنه في ذلك شأن قادة مجموعة الـ "بريكس"، أي البرازيل والهند والصين وجنوب أفريقيا، أنّ الاقتصاد الأميركيّ المريض لن ينجح علاجه بعد الآن إلّا عن طريق الوخز بالإبَر الصينيّة.. وهنا سيأتي دور البنك الآسيويّ للاستثمار الذي شكّلته دول المجموعة بدعمٍ من بكين في مجال التأثير على النظام الماليّ العالميّ، من دون أدنى شكّ.
وإذا كانت غالبيّة التحليلات السابقة قد أشارت خلال مرحلة ما بعد الثلاثين من أيلول العام الماضي إلى أنّ الولايات المتّحدة هي التي أفسحت المجال أمام روسيا للتدخّل في سوريا، أملًا في استنزاف مواردها وقدراتها الاقتصاديّة هناك، فإنّ واقع الحال في ضوء الأرقام المشار إليها أعلاه، وبالتزامن مع بدء عمليّة تحرير الموصل، يؤكّد بوضوحٍ أنّ السحر الأميركيّ سينقلب في نهاية المطاف على صنّاع تعاويذه الشرّيرة وطلاسمه المبهمة.. ومن حفر حفرةً لفلاديمير بوتين، وقع فيها.