الذاكرة قصيرة، لكن التاريخ، حتى الطريّ منه، حي وشاهد. لو قدر للارشيف أن يحكي لقال وقال دون أن يتعب.
أما وقد بات تبني الرئيس سعد الحريري للعماد ميشال عون أمراً واقعاً، بقرار "نابع من الخوف على لبنان وقائم على الأمل" بإنقاذ الوطن، واعترافه بأن قراره "مخاطرة سياسية كبرى"، وقوله إن "رفيق الحريري ثروة وثورة، ذهبت الثروة حمايةً للثورة على العنف والكيديّة والأحقاد وعلى من يريد إقناعنا بأنّ لبنان مستحيل".. فإن الحيثيات قابلة للتأمل والنقاش.
لأمر ما، لا يريد الرئيس الحريري، ولا للحظة واحدة، القبول بالقاعدة المستقرة بأن سوء الإدارة والتخطيط والقيادة والتنظيم والرهانات الخاطئة والعشوائية، كما تدمر عالم الأعمال تنسحب على السلوك السياسي، فكيف إذا كان هذا السلوك مأزوماً أصلا.. والأهم أنه لا يريد الاعتراف بأن من يعملون في السياسة في لبنان ليسوا ملائكة أو فاعلي خير، ولا يحملون رسائل سامية تهدف إلى خير الانسان والتاريخ والانسانية. وفي هذا المقام لا يستقيم ابتداء، ولا يقبل انتهاء، الإمعان في تكرار تمثّل صورة الضحية (على طريقة أن التاريخ سيحكم) طلباً للعطف أو رهاناً على خروج من مأزق. هذا السلوك ليس من تقاليد أو أعراف الحياة السياسية اللبنانية، وحتماً ليس من سلوكيات زعمائها الكبار في التعامل مع القضايا الكبرى والأزمات الوطنية. السماح بـ "الاستضعاف" هنا يقارب أن يكون خطيئة لا تغتفر مثلها مثل الرهان على المجهول. أزمة الرئاسة في لبنان كبيرة وخطيرة، لكن المسؤول عنها، كما عن حلّها، كتلٌ نيابية، ومكونات سياسية، ودول ومحاور، وقوى كبرى، وليس كتلة نيابية واحدة أو مكوّن اجتماعي واحد هو أصلاً يعاني من تراكمات سلبية جراء سياسات عوجاء وتطورات داخلية وخارجية يطول شرحها هنا... وكل كلام غير ذلك، مهما بلغت تراجيديته مجرد مراهنات وتمنيات لا أكثر.
يحسن تذكير الحريري بأنه كان منتصرا في الانتخابات النيابية، وفي ذروة قوته الشعبية، وشكل حكومة وحدة وطنية، ومع كل ذلك تم الانقلاب عليه بالطريقة التي نعرفها جميعا في العام 2011، فكيف به اليوم وهو يواجه كما هائلا من الأزمات؟!
بهذا المعنى، لا يحتاج الشارع السني في لبنان إلى ذاكرة قوية لإسترجاع فصول تجربته مع العماد ميشال عون، هو الذي سماهم "الدواعش"، هذه الصورة يصعُب محوها أو استبدالها بكلام دعائي آني عن متلازمات التضحية والدولة والسيادة والمؤسسات وغيرها، ولعل أصدق من عبر عن حجم هذا الشرخ هو الرئيس نجيب ميقاتي لدى استقباله وفداً من التيار الوطني الحر" حين قال إن "الهوة كبيرة جداً بين شريحة من اللبنانيين ومن أمثل ومرشحكم الرئاسي".
أما مواقف عون ونوابه بحق "تيار المستقبل" وخصوصاً الرئيس سعد الحريري والتي تتجاوز السجال السياسي وأدبياته، من مقولة "وان واي تيكيت" إلى إسقاط الحكومة وهو في البيت الأبيض عام 2011، إلى "الابراء المستحيل" وصولاً أو ابتداء بما نال الرئيس الشهيد رفيق الحريري من درر الكلام والاتهام فهذا مما لا يحسن تجاوزه أيضاً.
هذا في السياسة، أما في الشأن الوطني، فمواقف عون السلبية من اتفاق الطائف ليست تفصيلاً في سياق الحياة الوطنية يمكن أن يتم تجاوزه بليلة باريسية أو تكويعة مصلحية، الطائف محصلة اتفاق وطني قدمت دماء كثيرة في سبيله إنجازه لتصحيح الخلل البنيوي الذي لازم إنشاء لبنان، والتشكيك به انزلاق باتجاهات غير مأمونة.
الانتخابات الرئاسية تعني لبنان ومستقبله ومستقبل أبنائه الذين يريدون أن يكملوا حياتهم فيه من دون فساد أو مراهنات، يريدون العيش معاً في وطن واحدٍ ودولة واحدة، وكل ذلك يتطلب توافقاً من النوع الذي يخضع تحقيقه لآليات ضامنة تتجاوز دعاوى الظلم والتضحية، وتضمن المشاركة والحقوق.