ستون دولة ضمن التحالف الدولي أطلقوا منذ تسعة أشهر حربهم على تنظيم "داعش"، ودكّوا مواقعه بآلاف الغارات، ودرّبوا عشرة الآف جندي عراقي لمحاربته في العراق.
في المقلب الآخر، جنّدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية إمكاناتها العسكرية وحرسها الثوري وذراعها اللبناني لمحاربة "داعش" في سوريا بالتعاون مع الجيش السوري بعداده وعديده، وساهمت روسيا على طريقتها بدعم الجيش السوري. كل هذا الحشد الدولي فشل في القضاء على التنظيم الإرهابي، لا بل على العكس من ذلك تمكنت "الدولة الإسلامية" في الآونة الأخيرة من السيطرة على خمسين في المئة من مساحة سوريا، وتوسيع رقعة سيطرته في العراق. والسؤال البديهي حيال هذا الواقع الميداني المأسوي، هو كيف يحارب العالم بمعظمه "داعش" ولا يتمكن من هزيمته؟ وكيف تُقرأ "الإنتصارات الداعشية" تحت ضربات التحالف الدولي ونيران الجيوش؟
قبل أسبوع اجتمع ممثلو أربع وعشرين دولة ضمن التحالف الدولي في باريس ودرسوا كيفية تغيير استراتيجيتهم الفاشلة في مواجهة التنظيم الإرهابي، بعدما شنّت طائرات التحالف أربعة الآف غارة على مدى تسعة أشهر على مراكز التنظيم، وبدل أن يتقهقر التنظيم بات يسيطر على الموصل والرمادي في العراق، والرقة ومطار الطبقة، وتوسع في دير الزورفي سوريا واحتل مدينة تدمر في أقل من أربع وعشرين ساعة.
لا إرادة دولية لمحاربة "داعش"
الفشل الدولي في دحر التنظيم مرده، استناداً إلى قراءة الخبير الإستراتيجي العميد نزار عبد القادر، إلى غياب الجدية والإرادة الدولية وتحديداً الأميركية في القضاء على التنظيم. ورأى في حديث لـ "لبنان 24"، أن هذه "الطريقة الذي يتعامل بها التحالف الواسع تكاد تجعل من اللامعقول أمراً واقعاً، أي تجعل هذه الشراذم المجتمعة من أطراف الدنيا تنتصر على الدول الكبرى والقوى العالمية، وتصل إلى حدود تركيا وإيران بعدما وصلت الى ديالى في العراق. والمفارقة أن بعض الدول التي تدّعي شنّ حرب شعواء على الدولة الإسلامية، تشعر أنها في حاجة الى إستعمال هذه الدولة خدمة لمصالحها".
وتساءل عبد القادر: كيف ينسحب الجيش العراقي من الموصل أمام 800 مقاتل من "داعش"؟ وكيف ينسحب ما يقارب العشرين ألف جندي عراقي من الرمادي من دون أي قتال وقبل وصول "داعش"؟ وكيف ينسحب الجيش السوري من مدينة تدمر الإستراتيجية من دون مقاومة؟ وخلص إلى القول: "إننا نعيش حالة أشبه بالمؤامرة منها بالحرب على "داعش"، وأقول هذا الكلام بسؤولية وبعقل يفكر استراتيجياً بما يجري على المسرحين العراقي والسوري. وأشير إلى ما عرضته الفضائيات العربية عن أحد الذين أوقفوا في غوانتتانمو في السابق وأُعيد إلى بلده في الشرق الأوسط، وكيف جنّد للعمل في صفوف تنظيم القاعدة في اليمن، ويقال بالصوت والصورة إن الأميركيين كانوا يجتمعون مع تنظيم القاعدة في اليمن، ألم تقل كلينتون نحن من خلق "داعش". وهنا أسال عما جرى في سوريا، بعد الجهد الذي بذلته فصائل المقاومة في الشمال الغربي، وتشكيلها لجيش "الفتح"، واجتماعها ضمن غرفة عمليات واحدة، وتحقيقها انتصارات باهرة ضد النظام بدءًا من إدلب مرورًا بجسر الشغور والمسطومة وأريحا وصولًا إلى سهل الغاب، وكانت تتحضّر للسيطرة على حلب، وفجأة تتحرك "الدولة الاسلامية" من دير الزور إلى حلب، محاولة قطع طريق التموين الرئيسي أمام مختلف فصائل الثورة. فكيف يحدث ذلك على مرأى كل القوى الدولية؟ وكيف يتحرك البغدادي وينقل قواته من بعض المناطق في أطراف سوريا إلى الرمادي على مسافة 500 كلم، من دون أن تشاهده الأقمار الاصطناعية أو الطيران الحليف الذي يغطي أجواء العراق وسوريا"؟
ولا يرى عبد القادر وجود استراتيجية دولية لمحاربة "داعش"، لافتاً إلى أن الاستراتيجية الصحيحة تقوم:
- أولاً على وجود قوات جوية أكبر بكثير من القوة المخصصة لهذا الهدف.
- ثانياً أن يوحد التحالف مسرح عملياته في سوريا والعراق، وأن يمنع تحريك القوى من هذا المسرح الى ذاك.
النفوذ الإيراني
"المشكلة ليست في المليشيات المقاتلة"، يقول عبد القادر، "بل في رفض الحل السياسي الذي يؤدي الى انهاء هذه الحالة. هذه الحالة السنية الموجودة في البلدين هي "الدولة الإسلامية"، ولكن مسماها غير ذلك، هي حالة سنية رافضة للحكم في سوريا وفي العراق، وتشكل 75% في سوريا و24% في العراق، حقوقها غير محفوظة، وهذا يعود للنفوذ الإيراني تجاه هاتين الدولتين العربيتين الرئيسيتين، وتجاه اليمن ولبنان وقبلها البحرين. هذا المشروع السني الآن هو مقابل المشروع الإيراني المتمدد من أجل الهيمنة على العالم العربي. كما أن المشروع الايراني هو من يسعى إلى تقسيم العالم العربي لإضعافه والهيمنة عليه، ويبدو أن هذا الأمر يجري تحت نظر القوى الغربية الرئيسية، وبرضى الولايات المتحدة بإدارة أوباما الذي لا يملك استراتيجية ليس فقط حيال "داعش" بل تجاه كل أزمات المنطقة، إنها مؤامرة تحيكها الإدارة الأميركية برئاسة أوباما ضد المنطقة من أجل تفتيها وتخريبها وإضعافها، والمستفيد من كل ذلك دولتان، هما إيران وإسرائيل. أما ما يجري على الأرض فيجعلوننا نتلهى به لتغطية المشكلة الاساسية".
وبرأي عبد القادر أن الهيمنة الإيرانية هذه، تجعل مشايخ القبائل العراقية في منطقة الفلوجة والكرمة يرتمون في أحضان "داعش"، قائلاً: "هل تعلمين أن غرفة العمليات الرئيسية للدولة الاسلامية في الموصل تتكون من عشرين عضواً، 19 منهم من الضباط البارزين في جيش صدام حسين؟ هؤلاء هم السنة الحاقدون على هذا النظام التي تديره ايران في العراق. ولا أنكر ان ممارسات "داعش" عمل ارهابي وقتل وترويع لكل الشرائح والمذاهب، ولكن المشكلة ليست هنا، فهؤلاء الخوارج يمكن التخلص منهم، وهم أقلية واكثر من نصفهم من الغرباء، المشكلة برفض إقامة حكم يمثل مختلف فعاليات الشعبين العراقي والسوري واعطاء الحق لاصحابه وإلا الدواعش ستنمو أكثر".
إضافة إلى تقاطع المصالح الدولية والإقليمية في التقاعس الدولي في القضاء على أكثر المجموعات إجراماً، يبقى أن نشير إلى أن "داعش" ومنذ إعلانها "دولة الخلافة" قبل نحو عام، جذبت نحو عشرين ألف مقاتل من تسعين دولة، استنادًا إلى ما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية نقلًا عن مراكز بحثية، وطور التنظيم مصادر تمويله مستفيداً من سيطرته على مصافي النفط ونهب الآثار وفرض الضرائب والإبتزاز والفدية. كما أن احتلاله لمدينة تدمر من شأنه أن يشكل منجماً قيماً، حيث سيعمد إلى تنظيم بيع الآثار في السوق السوداء واستغلال حقول الفوسفات في المنطقة. وفي سياق مصادر تمويل "داعش" كشفت صحيفة " نيويورك تايمز" عن تجاوز الأرباح التي حققها داعش 1.2 مليار دولار العام الماضي.