سواءٌ كان الآتي الأعظم في غمرة تداعيات توتّر العلاقات الأميركيّة – الروسيّة سيتّخذ شكل الحرب العالميّة الثالثة أم سيندرج في إطار الحرب الاقتصاديّة العالميّة الأولى، فإنّ قراءةً متأنيّةً للوقائع الميدانيّة المسجَّلة على الأرض في المجالين العسكريّ والاقتصاديّ، تُظهر بوضوحٍ أنّ القيادة السياسيّة في قصر الكرملين، أعدّت العدّة لخوض هاتين الحربين وفقًا لأسسٍ ترجّح كفّة الانتصار لصالحها، من دون أدنى شكّ.
وإذا كانت كافّة الاستعدادات اللوجستيّة في ميدان النزال المرتقَب بين الطرفين في الشرق الأوسط قد أوشكت على الاكتمال في أعقاب نصب شبكة بطّاريّات صواريخ "إس ثلاثمئة" في طرطوس، بعد أن كانت شبكة بطّاريّات صواريخ "إس أربعمئة" قد نُصبت قبل عدّة أشهرٍ في قاعدة حميميم، وكذلك مع إبحار حاملة الطائرات "الأدميرال كوزنيتسوف" والطراد النوويّ "بطرس الأكبر" باتّجاه السواحل السوريّة، فإنّ إعلان رئيس شركة "غازبروم" أليكسي ميلر في مطلع الأسبوع الجاري عن الموعد النهائيّ المحدَّد للانتهاء من بناء خطّ أنابيب "الدفق التركيّ"، وتعهّده أمام الرئيس فلاديمير بوتين بأنّ هذا المشروع المخصَّص لنقل الغاز الروسيّ إلى دول الاتّحاد الأوروبيّ، عبر تركيا، عوضًا عن خطّ "الدفق الأوكرانيّ" الحاليّ، سيكون جاهزًا للاستخدام في نهاية العام 2019، لا يقلّ أهميّةً عن الاستعدادات العسكريّة الآنفة الذكر، ولا سيّما أنّه يأتي في سياق خطّةٍ متكاملةٍ أعدّتها الشركة للتصدّي لمحاولات الهيمنة الأميركيّة على مصادر الطاقة في العالم، وتمثّلت بهجومٍ مضادٍّ عن طريق بدء الاستثمار في مشاريعِ غازٍ داخل أميركا اللاتينيّة وأفريقيا وآسيا، بينها خطّ "الدفق الشماليّ" الذي يوصل الغاز من شمال روسيا الى ألمانيا عبر البحر دون المرور في أراضي بيلاروسيا، وخطّ "الدفق الجنوبيّ" الذي ينقل الغاز عبر البحر الأسود إلى بلغاريا، ويتوزّع منها جنوبًا عبر رومانيا وهنغاريا والنمسا وشمالًا عبر اليونان وإيطاليا، إضافة إلى "الخطّ الأفريقيّ" الذي يمتدّ من نيجيريا عبر النيجر إلى الجزائر من أجل تسييل الغاز ونقله إلى أوروبا.
كما كانت الشركة قد أعدّت أيضًا مشروع خطّ "الدفق الأزرق" الذي يمرّ عبر تركيا وسوريا من أجل مدّ الأردن وإسرائيل بالغاز، وذلك قبل أن يُكشف النقاب عن الحجم الحقيقيّ لاحتياطيّات الغاز في المثلّث البحريّ الذي يجمع بين لبنان وإسرائيل وقبرص، وقبل أن يُصار إلى اكتشاف مكامن الغاز داخل الأراضي السوريّة أيضًا، إضافةً إلى استحواذها على نصف حصّة شركة "إيني" الإيطاليّة في ليبيا، وبدئها بإعداد خططٍ عمليّةٍ للاستثمار في كلّ من السودان ومصر، وانتزاعها السيطرة من شركة "شل" على مشروعٍ ضخمٍ للغاز الطبيعيّ في جزيرة ساخالين قُدّرت قيمته بأكثر من عشرين مليار دولار، ثمّ إعلانها عن القيام بعمليّاتِ تطويرٍ كبرى في حقل "شتوكمان" الهائل للغاز في الجرف القاريّ الروسيّ في بحر بارينتس، إضافة إلى إطلاق مشروعٍ جديدٍ لاستغلال مكامن الخامات في القطب الشماليّ الذي تشير الدراسات الجيولوجيّة إلى أنّه يحتوي على ثلث الاحتياطيّ العالميّ البحريّ من النفط والغاز.
على هذا الأساس، رأينا كيف حاولت الولايات المتّحدة العمل على إعادة الاعتبار إلى هيبتها عن طريق افتعال الأزمة الأوكرانيّة عام 2013، أملًا في كبح جماح المدّ الروسيّ عن طريق الحيلولة دون تمكينه من الوصول إلى المياه الدافئة، الأمر الذي دفع الرئيس بوتين إلى الإقدام على خطوته الاستباقيّة الشهيرة التي تمثّلت بإعادة ضمّ شبه جزيرة القرم إلى السيادة الروسيّة، وهي الخطوة التي أدّت إلى ظهور مصطلح "الحرب الاقتصاديّة العالميّة الأولى" على إيقاع ما حملته تداعياتها من توتّرٍ بين واشنطن وموسكو.
ولعلّ المدير السابق لجهاز "ناتيف" الاستخباراتيّ الإسرائيليّ ياكوف كيدمي كان أوّل من استخدم هذا المصطلح في معرض إجابته على سؤالٍ متعلّقٍ بالوضع الأوكرانيّ، حيث أكّد أنّ روسيا ستكون قادرةً على الردّ بقوّة، وبالشكل الذي سيؤهّلها لكسب الحرب بجدارة، آخذًا في الاعتبار أنّ دافعي الضرائب الأوروبيّين لن يتردّدوا في العمل على الإطاحة بالأنظمة القائمة في دولهم، احتجاجًا على تدهور أحوالهم بسبب أوكرانيا، الأمر الذي سيصبّ في نهاية المطاف في مصلحة روسيا.
وممّا لا شكّ فيه هو أنّ تزامن إطلاق تلك التوقّعات مع نشرِ ما أظهرته نتائج استطلاعٍ للرأي العامّ الفرنسيّ وقتذاك عن أنّ خمسةً وستّين في المئة من الفرنسيّين يرفضون تقديم مساعداتٍ ماليّةٍ لأوكرانيا، وأنّ سبعةً وستّين في المئة منهم يعارضون انضمامها إلى الاتّحاد الأوروبيّ، لا يلغي بالطبع جدوى التفكير بفرضيّة كيدمي، بالرغم ممّا حملته من سمات المبالغة في قراءة مكامن الخطر المحدق، ولا سيّما أنّ تداعيات الأزمة الاقتصاديّة الأوكرانيّة كانت قد نجمت في الأساس عن الأضرار الفادحة التي خلّفتها الأزمة الماليّة العالميّة عام 2008 على اقتصاديّات الدول الناشئة، وهي أضرارٌ، وإنْ تمكّنت الدول الكبرى من التصدّي لها واحتوائها داخل منظوماتها الاقتصاديّة، إلّا أنّ نزيفها لم يتوقّف في العديد من الدول الأخرى، على غرار ما جرى في اليونان التي كادت أن تضع "منطقة اليورو" أمام احتمال التفكّك، على رغم حجم اقتصادها المحدود قياسًا بغيرها من الدول الأوروبيّة، ما أدّى إلى إلزامها بسياساتٍ تقشّفيّةٍ صارمةٍ لم تكن بمستوى طموحات الشعب اليونانيّ.
من هنا، ينبغي التذكير بأنّ تلازم البُعدين السياسيّ والاقتصاديّ إلى حدّ الانصهار في الأزمة الأوكرانيّة الراهنة، وما ترافق معهما من استشراسٍ مروّعٍ في لغة الخطاب الرسميّ الأميركيّ تجاه تطوّرات الأحداث، كان قد ساهم في إعطاء فرصةٍ لظهور تلك التوقّعات التي تحدّثت عن إمكانيّة نشوب الحرب الاقتصاديّة العالميّة الأولى، علمًا أنّ المزاج الأوروبيّ العامّ، أظهر منذ البداية عدم ميله للمغامرات العسكريّة مع روسيا، انطلاقًا ممّا سيترتّب عليها من تأثيراتٍ سلبيّةٍ على أسعار الطاقة إذا ما قرّرت موسكو إحداث أيّ نقصٍ في الامدادات، الأمر الذي سينعكس بالتالي على النموّ الاقتصاديّ العالميّ الهشّ أصلًا، ولدرجةِ أنّ بعض المسؤولين الأوروبيّين وصفوا تطوّرات الحدث الأوكرانيّ بأنّها أعادت أوروبا إلى الحالة التي كانت عليها قبل أكثر من خمسين عامًا.
خلاصة القول هي أنّ هذا الكلام إن دلّ على شيء، فهو يدلّ على أنّ مصالح الناس وشؤون حياتهم اليوميّة غالبًا ما تُوضع في ذيل قائمة أولويّات الأميركيّين والأوروبيّين لدى إقدامهم على خوض مغامراتهم الاستراتيجيّة الخارجيّة.. وما وقوف روسيا بحزمٍ في وجه تلك المغامرات سوى تأكيد على رغبتها في جعل العالم أكثر استقرارًا، بعد أن كادت نزوات "أحاديّة القطب" الأميركيّة أن ترمي به في الجحيم. وثمّة من يقول إنّ الأوكرانيّين تعلّموا هذا الدرس جيّدًا، الأمر الذي يرفع نسبة التوقّعات بأنّهم سوف يعودون إلى الحضن الروسيّ عاجلًا أم آجلًا، ومهما طال الزمان.