جاءت نتائج الإنتخابات البرلمانية التي فاز بها حزب العدالة والتنمية دون أن ينجح بنيل الغالبية المطلقة، مصحوبة بسيل من المقالات والتحليلات العربية والأجنبية التي أطبقت بعناوينها وتوقعاتها على العنق السياسي للرئيس التركي "رجب طيب اردوغان" راسمة له ولتركيا دوراً متراجعاً خاصة في سياساتها الخارجية فيما يتعلق بالعديد من الملفات الساخنة لاسيما في الملف السوري.
وبالعودة للنتائج التي أسفرت عن دخول حزب "الشعوب الديمقراطي" المؤيد للاكراد إلى البرلمان بنيله حوالي 12.5% من المقاعد، فان أهميتها وعلى قدر الإنعكاسات الداخلية المباشرة التي قد تتركها على مستوى الإستحقاق الحكومي والمرشح في الفترة المقبلة، أما للتوصل إلى تشكيل حكومة ائتلافية تضم إلى جانب حزب العدالة والتنمية حزب " القومي الاسلامي" والذي يعد أقرب الخيارات نظراً للتقارب بينه وبين ايديولوجية الحزب الحاكم وفقا لما ذكرته صحيفة "الموندو" الاسبانية، أو تضم إلى جانب حزب العدالة والتنمية حزب "الشعوب الديمقراطي" في إطار تسهيل مفاوضات عملية السلام مع الحكومة التركية وهذا أمر مستبعد نظراً للتناقض في المواقف بين الحزبين لناحية السياسة الخارجية، أو الفشل في تشكيل أي حكومة والعودة مجدداً لاجراء انتخابات برلمانية مبكرة.
الا ان أهميتها تكمن في المدلولات التي حملتها والتي تتخطى الأسباب الداخلية المتعلقة بالبطالة والضعف الاقتصادي والفساد وغيرها، التي تعاني منها دول كثيرة، إلى أسباب وعوامل اخرى ذات طابع خارجي وجدت في الانتخابات البرلمانية التركية فرصة سانحة لاستخدام بعض من الاوراق الخفية في الداخل التركي كورقة "الاكراد" من باب الضغط حتى التطييع للسياسة التركية الخارجية تجاه بعض الملفات، وربما متطلبات التفاوض الحاصل حاليا بين القوة النافذة في المنطقة استلزمت استخدام هذه الورقة في هذا التوقيت، ومايؤكد ذلك، التحول الجذري في القرار السياسي التركي ابان الاشتباكات التي كانت دائرة في مدينة كوباني السورية حيث رفضت تركيا بداية تقديم العون الى حزب "الاتحاد الديمقراطي" معتبرة أنه لا يختلف عن منظمة حزب "العمال الكردستاني" الإرهابية، لكن عادت وعزفت عن قرارها بعد ساعات قليلة اثر اتصال اجراه الرئيس الاميركي "باراك اوباما" بنظيره التركي "رجب طيب اردوغان" والذي اسفر عن أعلان الاخير أن تركيا ستساعدهم وستسمح لقوات البشمركة بالعبور من شمال العراق إلى سوريا عبر أراضي تركيا للقتال إلى جانب الاتحاد الديمقراطي. الامر الذي طرح علامات استفهام كبيرة حول هذا التحول جاءت ابرزها على لسان رئيس الكتلة البرلمانية لحزب "الحركة القومية" أوكتاي فورال الذي سأل حينها عن :".. الأوراق الخفية التي هي بيد أمريكا والدول الكبرى حول الرئيس أردوغان أو رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو، والتي تجعلهما يتراجعان عن قراراتهما".
ولكن يبقى السؤال الأهم: هل ستشهد المرحلة المقبلة نوعا من مد الجسور بين اكراد تركيا وايران، كما فعلت جماعة الاخوان المسلمين التي كانت تربطهم بايران علاقة جيدة عقب قيام الثورة الايرانية التي ايدتها ومن ثم بدأت العلاقة بالتردي بينهما عقب وصول الرئيس المصري المعزول محمد مرسي و تحوله بقوة نحو دول الخليج في مواجهة ايران؟!
مما لا شك فيه ان دخول حزب كردي للمرة الأولى الى البرلمان التركي سيفسح المجال امام معارضي سياسة اردوغان من الدول الخارجية لتشبيك نوع جديد من المصالح مع بعض اطراف الداخل وحتى لو كانت مع الاقليات طالما ذلك سيسهم في فرملة السلوك الخارجي التركي وارباكه، ولكن هذا لا يمكن البناء عليه طويلا طالما الطموح الكردي التركي لم يتجاوز حدود المطالبة بالاستقلال ضمن كيان دولة أو إقليم واحد على غرار اكراد العراق ، وفي هذا الاطار جاءت تغريدة معبرة لمحرر في مجلة فورين بوليسي "ديفيد كينر" اثر تعليقه على أجواء فوز حزب الشعوب الديمقراطي الكردي بقوله :" أشخاص تمتكلم سعادة غامرة داخل مقر الحزب .. لم أر مثل هذا الاحتفال الا في (ميدان) التحرير عندما انتخب مرسي، مع شعور مشابه مفاده: انتظر هل ستسمح لنا الدولة بذلك ؟".