على رغم تفاؤل الرئيس المكلف سعد الحريري بإمكانية تشكيل حكومة العهد الأولى في اسرع وقت ممكن، ويُحكى أن هذه الحكومة ستكون حاضرة إلى جانب رئيس الجمهورية في الإحتفال المركزي لعيد الإستقلال، بعد غياب لسنتين متتاليتين، فإن "تقليعة" الإستشارات غير الملزمة، التي بدأها بالأمس وينهيها اليوم، أظهرت أن العقد أكثر مما كان يتوقعّها. وهذا الأمر سيجعل من تشكيل الحكومة مهمة شاقة، وهذا ما كان ألمح إليه الرئيسان نجيب ميقاتي وتمام سلام عندما زارهما أمس الأول، باعتبار أن المستوزرين كثرٌ، وأن الطامحين إلى التوزير لا عدّ لهم ولا إحصاء.
وعلى رغم الحرص الظاهري لجميع الأفرقاء، وبالأخص الذين انتخبوا الرئيس ميشال عون، على تسهيل المهمة على الرئيس المكّلف، الذي حظي بشبه إجماع، لأن العهد لا يمكن أن تكون "تقليعته" بطيئة وغير مزّخمة، فإن ما واجهه الرئيس الحريري في اليوم الأول من الإستشارات يمكن إدراجه في خانة تثبيط العزائم، وبالأخص من الكتل التي ترى أن لولا مواقفها المؤيدة للرئيس عون لما كان الإستحقاق الرئاسي قد أبصر النور.
وتعليقًا على تناتش الكتل للحصول على حقيبة المالية، بإعتبارها أمّ الوزارات، إقترح أحد السياسيين الظرفاء أن تكون لكل وزارة ماليتها، عن طريق تعزيز صلاحيات مراقبي عقد النفقات.
فإذا كانت عقدة المالية هي التي تطفو على سطح العرقلة، مع عراقيل أخرى تتمثل بالحقائب المسماة سيادية وخدماتية، فإن التشكيل لن يكون ميسّرًا، كما يتمنى الرئيس الحريري والعهد الجديد، خصوصًا إذا عدنا بالذاكرة إلى حكومات العهد السابق، وما استلزمته من جهد طويل ومن وقت ومن تذليل للعقبات ومراضاة خواطر و"إستجداء" الحلول الممكنة وغير السحرية.
في المنطق أن عمر الحكومة لا يتعدّى ستة أشهر، إذا سلمّنا جدلًا أن الإنتخابات النيابية ستتم في موعدها المحدّد، أي في ربيع 2017، في حال توصل الأفرقاء السياسيون إلى التوافق على قانون إنخابي، وكلٌ يريده على قياسه، وإذا لم يصار إلى إجراء هذه الإنتخابات على أساس قانون الستين السعيد الذكر.
وفي المنطق أيضاً أن حكومة عمرها قصير يُفترض أن تُشّكل بسرعة قياسية، على أن تكون مهمتها المركزية إجراء هذه الإنتخابات، بحيث تأتي حكومة أخرى تراعي التوازنات الجديدة التي ستفرزها الإنتخابات النيابية.
وفي المنطق ايضًا أن تشكيل الحكومة يجب أن يراعي مبدأ فصل السلطات، بمعنى أنه في حال كانت كل الكتل النيابية ممثلة فيها فإن مبدأ المراقبة والمحاسبة ، وهما من أهمّ أدوار المجلس النيابي، سيغيب عن الساحة السياسية، وستكون الحكومة العتيدة أو أي حكومة أخرى خاضعة لمنطق المحاصصة وفق الأحجام التمثيلية للكتل النيابية، وتكون المراقبة والمحاسبة في خبر كان، إذ لا يُعقل أن يُحاسب الوزير نفسه، وهو موجود سياسيًا في السلطتين التنفيذية والرقابية في آن واحد.
قليل من الماء في خمر المستوزرين وفي كؤوس المتهافتين على أن تكون أمّ الوزرارت من نصيبهم، وقليل من الواقعية السياسية تفرح قلب العهد الجديد.