يبدو أنّ ورشة تشكيل الحكومة قد انطلقت بجدية، ولو أن موعد التأليف قد لا يكون قريبًا كما توقّعه الرئيس المكلّف سعد الحريري، قبل عيد الاستقلال المقبل في 22 تشرين الثاني على حدّ قوله. إلا أنّ الجو العام في البلاد ميّال الى التهدئة والاتفاق والتعاون، برأي الأطراف السياسية كافة، مع بداية بلورة للصورة الحكومية أو أقلّه لبعض ما يمكن أن تنتهي اليه في صيغتها الأولوية.
فقد أصبح شبه مؤكد على سبيل المثال أن يتألف مجلس الوزراء المقبل من ثلاثين وزارة بدل 24 حقيبة التي تضمنتها حكومة الرئيس تمام سلام، وذلك في محاولة "توزير" أكبر عدد ممكن من الأطراف السياسية وتوسيع نطاق "الوفاق الوطني" الذي يريد الرئيس ميشال عون أن ينطلق عهده على أساسه.
الا أنّ العدد المتزايد للوزارات يعني الإكثار من "وزارات الدولة" التي تفتقر الى صلاحيات محدّدة، وبالتالي الى سلطة واقعية، ما يجعلها لا تستهوي أحداً ويفقدها القيمة السياسية المضافة التي كانت تتمتع بها اثناء الانقسام السياسي الواضح بين فريقي 8 آذار و14 آذار، حيث أن صوت الوزير له أهمية بالغة لما له من تأثير على القرار السياسي الاجمالي في البلاد، وهذه حالة لا تنطبق على الواقع السياسي اليوم وسط الاصطفافات السياسية الحالية والثنائيات المستجدّة، وبالتالي، فتولّي وزارة من دون حقيبة بمثابة حالة "البطالة" في الحكومة، فلا عمل جدّي يتولاه الوزير ولا صوت قيّم له في عملية اتخاذ القرارات الحكومية.
اضافة إلى ذلك، فانّ الجهات السياسية بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى الى استلام وزارات "أساسية" بمفهومها الخدماتي بغية تقوية أرضيتها الانتخابية قبل الاستحقاق النيابي المفروض إنجازه بعد بضعة أشهر، ما سوف يزيد من تعقيدات توزيع الحقائب. ومن المتوقع أن يشكّل توزيع الحقائب المسيحية خاصة تعقيدات عديدة، نظرا إلى مطالبة حزب "القوات اللبنانية" بحصة وازنة من جهة على أساس أنّه "شريك العهد"، وما قد ترتّبه هذه المطالبة من تناقضات في السياسة مع الحلفاء الآخرين وفي مقدمتهم "حزب الله"، وفي ظلّ وجود فريقين مسيحيين بارزين من جهة أخرى، حزب الكتائب وتيار المردة، واللذين لم تتوضح حتى الساعة كيفية أشراكهما في مجلس الوزراء العتيد اذا سارت الأمور في اتجاه حكومة وفاق وتوافق.
وفي هذا الإطار، يشترط النائب سليمان فرنجية حصوله على وزارة "أساسية" للمشاركة في الحكومة المقبلة في حال اتفق الجميع على ضرورة انطلاقة العهد الجديد باحتواء المعارضة، علما أنّ الرجل بحاجة الى تقوية نفوذه السياسي على الأرض قبيل الانتخابات النيابية، وذلك باستلام تياره حقيبة خدمات، ما يعني أنّه لن يرضى بحقيبة الثقافة أو ما يشبهها اذا كانت ستعرض عليه. وترى أوساط قريبة من المردة أنّ رئيس حزب القوات سمير جعجع قد يحاول عرقلة هذا الأمر، لأنّ فرنجية هو منافسه الأساسي الى الرئاسة ما بعد عون، وهو يتقدّم عليه في هذا السباق الذي يبدأ منذ الآن، كونه يتمتع بإجماع وطني شبه كامل حوله، من "حزب الله" ورئيس مجلس النواب نبيه برّي والحريري والزعيم الدرزي وليد جنبلاط، ما يفرض التحرك باكرا لإبقاء زعامته تحت السيطرة.
ولم يحسم حزب الكتائب أمره من مسألة المشاركة أو الامتناع، علمًا أنّ حزب المردة يشجّع رئيس الكتائب سامي الجميل على الانضمام الى الحكومة اذا أُنجز اتفاق في اتجاه مشاركة الجميع على اثر المفاوضات التي يقودها برّي من قبل المعارضين الجدد.
المعارضة الواضحة
من جهتها، ترى أوساط "معرابية" أن لا فيتو على أحد من قبل حزب القوات، الا أنّه من المنطقي بالنسبة الى هذا الحزب أن يبقى من عارض العهد خارج الحكومة، لأنّ الديمقراطية لا تستقيم الا على هذا الأساس. والقوات، بحسب الأوساط، تطالب بان يكون هنالك معارضة واضحة خصوصا من ضمن القوى التي هي أساسا ضدّ رئيس الجمهورية، لافتة إلى أنّ حزب القوات كان معارضا في الفترة الأخيرة وقد اختار أن يبقى خارج الحكومة على أساس هذه المعارضة، الّا أنّه لم يتمكّن فعليا من ممارسة نهجه المعارض نظرا إلى الفراغ الرئاسي الذي دام أكثر من سنتين.
وتعليقا على مطالبة القوات بحصة موازية لحصة العونيين في الحكومة العتيدة، وخصوصا بحقيبة سيادية، وهو موضوع أثار جدلا بيزنطيا حول حق معراب بهكذا وزارة، تقول الأوساط أنه من حق القوات الطبيعي أن يكون لها وزارة سيادية كونها القوة المسيحية الثانية الى جانب التيار العوني. وتضيف أنّه بات للمسيحيين وجود ووزن أساسي في السلطة، وهو ما ساهم في صنعه تحالف معراب، "وفي ذلك إنجاز شبيه الى حدّ كبير بما استطاعت تحقيقه الثنائية الشيعية، فلماذا اذا يعيّبون على العونيين والقوات ما يسلّمون به شيعيا؟"
وتؤكد المصادر على وجود اتفاق بين عون والحريري والقوات لإطلاق عهد ناجح، وسوف تظهر ملامحه في تأليف الحكومة المنتظرة.
وفي حكومة الثلاثين وزيرا، تكون حصة المسيحيين 15 وزيرًا، من ضمن هؤلاء ثلاثة وزراء لرئيس الجمهورية (بالاضافة الى وزير مسلم يسميه عون ايضا)، اربعة وزراء من التيار البرتقالي وأربعة من القواتيين، وما تبقى اما أن يكون من المعارضة أو من حلفاء السلطة الجديدة. ومن ضمن الشائعات التي تطال الأسماء والحصص، ثمة من يتحدث عن لغط في ما يتعلّق بوضع الوزير ميشال فرعون، في ضوء اقتراح أن "يوزّر" هذا الأخير عن طريق القوات فيكون من ضمن الوزراء الحلفاء الذين يسمّيهم أيضاً جعجع ولو من خارج الـquota القواتية، ويوافق العونيون على ذلك شرط ألا يترشح فرعون الى النيابة لاحقا، فيرشّح العونيون نقولا الصحناوي بديلا عنه، ما قد لا يرضى به فرعون، وهو الذي قد بنى زعامته على أساس النيابة طوال السنين المنصرمة.
ويبدو أنّ اشكالية ثانية تطال وزارة الدفاع التي اصبح من شبه المؤكد أنها سوف تعود الى العميد شامل روكز. الا أنّ تولي روكز هذه الحقيبة بوجود الجنرال جان قهوجي في قيادة الجيش تخلق حساسية غير مستحبة، اذ انّ العلاقة بين الرجلين سيّئة على خلفية التشكيلات الأمنية التي خلقت أزمة حكم منذ أكثر من سنة. وبحسب مصادر مطلعة، من غير المتوقع أن يسرّح قهوجي قبل انتهاء السنة الإضافية على مهامه، خصوصا أنّ هكذا قرار بحاجة الى موافقة من مجلس الوزراء المقبل، وفي ذلك صعوبة لأنّ معظم القوى السياسية في البلاد تؤيّد قهوجي، ما يعقّد مسألة تولي روكز وزارة الدفاع نظرا إلى حتمية وجود فترة تعايش صعبة بين الرجلين في هذه الحالة.
وفي انتظار أن تتبلور الصورة الحكومية أكثر فتتبدّد المشهدية السياسية، يسود جوّ عام إيجابي في البلاد، وسط اعتقاد شبه اجمالي بأنّ "الفرج" قد بات قريبا وأنّ فترة الظلام قد انطوت على رغم الصعوبات والألغام المزروعة هنا وهناك، فهل تصدق هذه التوقعات أم تصطدم بالحائط فيكون مصيرها مماثلا لتنبؤات ليلى عبد اللطيف؟