عملية التوريث السياسي في لبنان متجذرة في التاريخ. منذ إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، مروراً بالانتداب والاستقلال وصولاً إلى ما بعد الطائف، السياسيون ينتجون زعاماتهم بأحد ابنائهم أو أقاربهم، حتى بات هذا الأمر تقليداً أو عرفاً يعلو الدستور ومبدأ تداول السلطات وتلك التي تُسمّى "ديمقراطية"!
تختلف أشكال التوريث السياسي، أو بالأحرى هذا "التراث" اللبناني، وتتغيّر معالمه تبعاً للظروف المختلفة. وإذا كان ثمة من يرث الزعامة أو المنصب بحكم رحيل الأب أو الأخ، فإن آخرين يستلمون "الإرث" من أسلافهم الذين ما زالوا على قيد الحياة. لعلّ أكثر أنواع التوريث شيوعاً هو "الحزبيّ"، إذ يسلّم معظم رؤساء الأحزاب اللبنانية أبناءهم "مفتاح" الرئاسة، ومعه اللقب العائلي التاريخي هدية. وبحكم تركيبة النظام اللبناني القائمة على الخصوصيات والتوازنات والهيمنات الطائفية والحزبية، يحصل أن ينسحب التوريث ايضاً على "النيابة". على هذا النحو، يصبح ابن النائب نائباً، علماً أن وصوله إلى البرلمان يتمّ بطريقة قانونية، أي بأصوات المواطنين.
قد تكون أسباب هذه الظاهرة غير مبررة بالنسبة الى كثيرين ممن يقاربون مفهوم الحكم السياسي بطريقة مختلفة تحاكي الديمقراطية والتحرر من أي قيود وعوائق، لكنها عملياً نابعة من واقع مجتمعي متجذّر في لبنان وفي دول أخرى أيضاً! يكفي أن نفهم لماذا يسارع معظمنا إلى التفوّه بجملة "مش عارف حالك مع مين عم تحكي؟"، لرصد بعض هذه الأسباب. والحال أن اللبناني بشكل عام لا يرى نفسه أبداً "مقطوعاً من شجرة"، بل على العكس تماماً، ثمة عائلة كبيرة تقف خلفه وتسانده. إنه اذاً الموروث العشائري والقبائلي الذي ما زال حاضراً في الخلفية!
وعلى رغم ذكورية مجتمعنا، نلحظ أن التوريث السياسي لا يعيقه الإطار الجنساني، وعليه قد ترث الزوجة أو الابنة او الأخت الزعامة والقيادة....ولعلّ هذا الأمر هو بمثابة بقعة ضوء في ظاهرة التوريث الحالكة.
لكن أبعد من استنساخ الزعامات بحكم "صلة الدم" القريبة، ثمة ظاهرة أخرى تتجلّى في ضمّ السياسي أو الزعيم "حاشيته" إلى الطبقة الحاكمة! هكذا نرى أولاد الأعمام والعمات والخالات والأخوال والأصهرة والعدلاء موّزعين على المقاعد والمناصب والمهام!
وتبرز هنا واقعة "توزير الصهر"، حتى لو لم يكن ملّماً بمهام الوزارة! المفارقة أن اسم الوزير جبران باسيل هو أول ما يخطر على البال لدى الحديث عن توزير الأصهرة، لكنه في الحقيقة ليس أول صهر يصبح وزيراً! تكفي عودة سريعة إلى ما بعد عهد "الطائف" للتأكد من الأمر: الوزير فارس بويز صهر الرئيس الياس الهراوي، الوزير الياس المرّ صهر الرئيس اميل لحود، وسام بارودي طرح اسمه لتولي حقيبة وزارية على عهد الرئيس ميشال سليمان (كما خاض الانتخابات النيابية) لكنه لم يدخل اي وزارة، وأخيراً الوزير باسيل الذي صرخ من أجله الجنرال ذات يوم " "لعيون صهر الجنرال ما تتألف الحكومة"، وصولاً إلى توزيره السابق...واللاحق المؤكد على عهد عمّه الرئاسي!
على هذا النحو، بات أشبه باستثناء أن يأتي رئيس للجمهورية من دون "الصهر...سند الظهر"! ليس في الأمر شائبة إذا كان هذا الصهر يسند أيضاً ظهور المواطنين المثقلة بهموم مزمنة، وعلى الأرجح، قابلة للتوريث حتى الى الأحفاد!