من خلال الشعارات التي أطلقها، عشية "الثلثاء الكبير" في الولايات المتحدة الأميركية، كل من المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون "اميركا للجميع"، والمرشح الجمهوري دونالد ترامب "أميركا اولًا"، يخال للمرء أن هذه الأنتخابات لا تجري في أميركا بل في لبنان.
فالشعارات نفسها تُستخدم، مع فارق أن الشعب الأميركي هو من يختار الرئيس، وهو الذي يتأثر كثيرًا بالشعارات وبالحملات الإنتخابية، وهو الذي يقرّر في النهاية.
أما في لبنان فالشعارات تبقى شعارات من دون أن يكون لمضمونها تأثير مباشر على من سيكون الرئيس، وقد أختار ممثلو الشعب، نيابة عنه، الرئيس الثالث عشر للجمهورية، وهو الآتي حتمًا بإسم الشعب، وقد حوّل قصره إلى بيتهم "بيت الشعب"، مع ما تعنيه هذه الرمزية من معانٍ، قد تكون ترجمتها العملية المزيد من القرارات التي من شأنها أن تخفّف عن كاهل الشعب أعباء كانت حتى الأمس القريب تقضّ مضاجعه وتحوّل همومه اليومية إلى كوابيس.
فما بين أميركا ولبنان وحدة شعارات وكثرة وعود، وتبقى الترجمة رهن الظروف والإمكانات، وما بين إمكانات لبنان وإمكانات أميركا فرق شاسع، وهذا الفرق يجعل من هذا البلد الصغير المثقل بالمشاكل المتراكمة مغلوبًا على أمره، فيما يجعل هذا الفرق أميركا تقود العالم.
هنا شعب يراقب فقط فيما تغيب المحاسبة غير المقدّرة له من خلال قوانين إنتخابات لا تتيح له التعبير عما يريده، ولا تسمح له بمحاسبة من لا يعتبره يجسدّ طموحاته، فيبقى القديم على قدمه، باستثناء من لا يكون قد حظي بموافقة "اصحاب البوسطات والمحادل". فلا قانون عصريًا يعتمد النسبية ولا أي قانون آخر غير القانون القائم على المحاصصة السياسية والمناطقية سيبصر النور، وسيبقى قانون الستين هو السائد والمهيمن، لأنه يناسب الجميع تقريبًا ويحافظ على "ستاتيكو" سياسي يختزل الطموح والآمال.
فما بين شعار كلينتون "أميركا للجميع" وشعار ترامب "أميركا أولًا" تعود بنا الذاكرة إلى شعارات 8 و14 آذار، وما كانت عليه النتيجة حين انفخت الدّف وتفرّق "العشاق"، فأتى "الجنرال" المحسوب على الفئة الأولى بدعم من أكبر قوتين في الفئة الثانية، أي الرئيس سعد الحريري ورئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع، فيما وقف الرئيس نبيه بري والنائب سليمان فرنجية، وهما من قوى 8 آذار في وجه حليف حليفهما الأقوى في هذه القوى، فأصبح "بي الكل"، بما يعادل شعار "لبنان للجميع"، على أمل أن تتلاشى كل الخيارات والشعارات الأخرى ليبقى "لبنان أولًا" شعارًا للجميع.