أظهر رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون في غضون أقل من 3 أسابيع في الحكم رغبة أكيدة في امتصاص نقمة الجهات كلّها، وأثبت دراية في قيادة الوضع السياسي الداخلي وحسن التّعامل مع الوضع الإقليمي حتى قبل تشكيل حكومة العهد الأولى.
يحاول عون، بحسب قراءة سياسية موالية له، وضع أسس التوازن الإقليمي عبر جعل العلاقات طبيعية مع سوريا وإيران بطريقة واقعية لا تستنفز الشارع السياسي المناهض لهاتين الدولتين.
الى ذلك فتح علاقات لبنان مع السعودية ودول الخليج، ومن المتوقع أن تكون أول دولة يزورها عون هي السعودية.
وتندرج زيارة وزير خارجية مصر سامح شكري هذا الأسبوع أيضًا في إطار عودة الدور المصري الى لبنان، ما يفسّر بأنه تكريس عربي وازن لشرعية الإنتخاب ولقبول التسوية التي تمت صياغتها لبنانيًا. وقد لاحظ المصريون، بحسب مصدر دبلوماسي تحدث الى "لبنان 24"، "مؤشرات إيجابية عدّة منذ انتخاب عون ولا سيما بالنسبة الى هدوء "الجبهات" السياسية في الدّاخل، وقد سمع الوزير سامح شكري من عون ترحيبًا حارّا بالحضور الدبلوماسي العربي في لبنان وتمنيًا بأن يكون لبنان موضع اهتمام من الدول العربية". "ووصف مسؤول مصري رافق شكري عون بأنه "رجل دولة".
في الوقت عينه يعمل الرئيس عون على تثبيت أسس التوازن المحلي عبر الدّفع بالتسريع في تشكيل حكومة الرئيس سعد الحريري الأولى، مستوعبًا الى أقصى الدرجات الألغام الموضوعة أمامها وما تقابل به من مواقف سلبية، خصوصًا من رئيس البرلمان نبيه برّي ورئيس تيار"المردة" سليمان فرنجية اللذين يبدو استيعابهما أصعب من احتواء إيران والسعودية!
وبفعل الإتفاق بين "التيار الوطني الحرّ" و"القوّات اللبنانية" تمكّن عون من "المونة" على "القوات" بالتنازل عن الحقيبة السيادية التي كانت تصرّو عليها، وهو لغم مهمّ أمام تشكيل الحكومة بحسب القراءة العونية.
كذلك أبدى عون استعداده لعودة حزب "الكتائب اللبنانية" الى الحكومة ولو أنها "عودة الإبن الضال" - بحسب تعبير الأوساط ذاتها- وبمجرّد أن استقبل عون الرئيس الأسبق أمين الجميل إتصل به رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع. ولم يكن كلام الجميل الأب عاديًا من خلال اعتباره أن الكتائب تقف الى جانب رئيس الجمهورية واصفًا إياه بأنه "رئيس جميع اللبنانيين"، ما يشير بوضوح الى الإيجابية التي قابله بها الرئيس العماد عون.
هذا يعني أن الروح الوفاقية التي يتبناها رئيس الجمهورية إنسحبت على الأكثرية المسيحية. ولكن تبقى "العقدة الرابعة" من مرشيحي الرئاسة تتمثل برئيس "تيار المردة" سليمان فرنجية.
تقول الأوساط عينها :" للأسف فإن عقدة فرنجية تظهر بأنها عقدة سلطة، وقد وقع النائب فرنجية بسلسلة من الأخطاء لغاية اليوم، أولاها أنه وضع جميع أوراقه السياسية تحت سقف رئيس المجلس النيابي نبيه برّي، وهذا أمر غير مسبوق في العرف اللبناني الماروني، كذلك لم ينتخب فرنجية الرئيس الماروني القوي، وتغيّب عن المشاورات النيابية بالنسبة الى تسمية رئيس الحكومة، ثمّ سلّم أمر التفاوض على مقعد وزاري الى الرئيس برّي مجددا".
لكنّ الأوساط ذاتها تشير الى أن "الرئيس عون يستوعب تصرفات فرنجية على رغم أن زعيم "المردة" لم يهنّئه بانتخابه رئيسًا بل أكثر من ذلك يضع شروطًا ويطلّب حقائب معينة( الإتصالات أو الطاقة أو الأشغال العامّة!).
يبقى إستيعاب الرئيس نبيه برّي، والذي لا يبدو ناجحًا بعد الجدل الكلامي الذي أعقب زيارة عون للبطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي.
وللتذكير، فقد قال عون في بكركي: "إن جميع مؤسساتنا أصيبت بالوهن بسبب التمديد المتمادي لمجلس النواب اللبناني والعجز الذي وقعت فيه السّلطة". فردّ عليه برّي فورا: "إن التمديد سيّء فعلا، والمؤسسات أصيبت بالوهن كما قال فخامة الرئيس، ولكن تعطيل إنتخاب الرئيس كان أسوأ على المؤسسات بما في ذلك على المجلس النيابي".
وتشير الأوساط الى أن العماد عون "لا يزال على موقفه، فالمجلس النيابي الذي انتخبه هو قانوني ولكنّه ليس شرعيّا، وعمليّة التمديد له مسيئة للبنان. وقد اعترف الرئيس برّي في القسم الأول من ردّه بصوابية كلام عون، أما القسم الثاني فاحتوى نوعًا من "الزكزكة" السياسية". وتشير الأوساط: لولا ثبات العماد ميشال عون مدعومًا من "حزب الله" الذي رفض حركة الحريري- بري بترشيح فرنجية، والتي أدت الى ردّة فعل إيجابية من سمير جعجع في اتجاه عون لكنّا اليوم أمام رئيس تسوية جديد يدير الأزمة، بينما انتخاب عون أدّى الى استنهاض الرئاسة والى استنهاض المسيحيين الذي سيخفف من نزيف هجرتهم، لولا ثبات عون لكنّا أمام ستّة أعوام جديدة لإدارة الأزمة كتلك التي مرّت في عهد الرئيس السابق ميشال سليمان".